أما كون اتخاذ الحروف اللاتينية يحرم العرب هذا الشرف العظيم فقلب حال كذلك؛ لأن من يرمي الناس بداهية لا يحوز لنفسه بفعلته شرفا بحال.
العاشر:
يقولون إن تحسين
حال العربية لا يكون من طريق تيسير رسم كتابتها، وإنما يكون من طريق تقريب أصولها وقواعدها؛ لأن الاتجاه لتيسير الرسم معناه نقل العبء من القارئ إلى الكاتب. وبيان هذا: أن القارئ إذا تيسر الرسم فهو ينطق بما يقع عليه بصره نطقا مضبوطا في ذاته مطابقا للرسم. وقد تكون العبارة التي يقرؤها غير مضبوطة في ذاتها بحسب أصول اللغة وقواعدها، فيعتاد القارئ قراءة ما هو غير مضبوط عربية من العبارات التي قد تسجل بالطباعة فيستديم ضررها. وأن هذا الضرر لا يمتنع إلا إذا أوجبنا على الكاتب أن يتعلم أصول اللغة وقواعدها، حتى لا يكتب إلا صحيحا، وحتى لا يقرأ الناس إلا الصحيح. وبهذا يئول تيسير الكتابة إلى نقل العبء من القارئ إلى الكاتب.
مهما يكن بياني لهذا الاعتراض معقدا فإنه على كل حال اعتراض خارج عن الموضوع. وما أشبهنا - إزاءه - بالباحثين عن طرفي الحلقة المفرغة، تقوم الساعة علينا قبل أن نهتدي إلى المطلوب! إن مسألة البحث في أصول اللغة وتيسير قواعد نحوها وصرفها، تلك التي يقول المعترضون إنها هي العلاج الشافي لأدواء العربية، هي مسألة أخرى قائمة بذاتها، وهي مطروحة فعلا على المجمع اللغوي، يرود مداخلها ومخارجها، ويحاول ما وسعت قدرته تمهيد ما يقبل منها التمهيد. أما ما نحن بسبيله الآن فهو مسألة تيسير رسم الكتابة العربية، وعلة البحث فيها استقلالا هي ما لاحظه الناضل من محبي العربية والمنضول، والفاضل والمفضول، والرائحون والغادون، والقدماء والمحدثون، وطوب الأرض ونجوم السماء، من أن خليل مطران والجارم والعقاد والأسمر وهيكل وطه حسين وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات والمازني ونظراءهم من الشعراء والأدباء، وإلى جانبهم أساتذة العربية بالمدارس، وأنطون الجميل وفكري أباظه وزكي عبد القادر والشناوي والسوادي ورصفاؤهم من رجال الصحف والمجلات، أولاء جميعا يجهدون ويكدون ويخرجون لنا من قصائد الشعر وكتب الأدب وكتب التعليم والمقالات المختلفة في السياسة والاجتماع، ما كله محرر على أدق ما يكون من المطابقة لأصول العربية وقواعد نحوها وصرفها، وما كله مرسوم على خير ما يكون رسم الكتابة العربي الحالي. ومع هذا فإن قراء تلك الأشعار والكتب والمقالات لا يستطيعون قراءتها على الوجه الذي أراده واضعوها المتمكنون في اللغة وقواعدها، بل هم يخطئون في قراءتها خطأ شنيعا يخرج بالعبارات عن أصل معناها المراد؛ وذلك لأن رسم الكتابة في ذاته قابل - بسبب عدم وجود حروف الحركات أو «الشكل» الذي أفلس - لأن ينطق به، رغم أنف أولئك الكاتبين الفحول، على جملة وجوه، منها الصحيح وأكثرها خاطئ معيب. ومن أجل هذا مست الضرورة - قديما وحديثا - لبحث هذا الرسم ذاته. وكل الكلام الآن دائر عليه دون سواه، بقصد معالجته وجعله متمحضا لوجه واحد من الأداء؛ بحيث إذا رسمه الشعراء والأدباء والكتاب المذكورون وغير المذكورين من أساطين العربية، المعصومة أقلامهم من الأغلاط، على صورة يتعمدونها ولا يريدون سواها، قرأه القارئ حتما جزما كما أرادوا. وإذن فما محل هذا الاعتراض؟ وما معنى تسجيل الأغلاط واستدامة الأغلاط؟
لنفرض - هنيهة - أننا جارينا حضرات المعارضين، فأخرسنا ألسنتنا عن الجهر بالشكوى من سوء رسم العربية، وأمسكنا عن البحث في أمر إصلاحه، وصرفنا كل همنا في مسألة تسهيل أصول اللغة وتبسيط قواعد نحوها وصرفها، ثم لنفرض أيضا المستحيل؛ نفرض أن هذا الاتجاه لم يبق أحدا من الناس إلا وقد رفعه إلى صف من ذكرنا من كبار الشعراء والكتاب، أفلا يرى المعارضون أن سوء الأداء وكثرة التصحيفات وشنيع الأغلاط لن تنقطع ما دام رسم الكتابة باقيا كما هو، وأن الضرورة ستلجئنا إلى ما نحن فيه من الصراخ والمطالبة بالبحث فيما نبحث فيه الآن من إصلاحه؟ أفلا يرون حقا أننا بمثل هذا الاعتراض نضيع الوقت في اللف والدوران والبحث عن طرفي الحلقة، واغلين في البعد عن محجة السداد؟