قد تسخر من هذا الرجل وتقول إنه عامي ساذج، أو إنه من قبيل أولاد النكتة من المصريين الذين قال أحدهم تنادرا باقتراحي: «بقى خرجنا من الفرعونية وقعنا في اللاتينية؟» وقال آخر عند ما بلغه قولي إن اقتراحي من مزاياه أن يعمم العربية: «هو لا يعممها بل يبرنطها.» لا تسخر من مرسل تلك التذكرة المفتوحة؛ فإني أراه خيرا من جميع المعترضين؛ ذلك بأن الساعات إذ اتخذت ابتداء من الزوال وساعته كانت تبتدئ من الغروب، فقد اختلط عليه حساب أذان المغرب، ثم معرفة باقي أوقات الصلاة، ومدفع الزوال لا يفيده علما بها. وإذ كان هو فراشا أو ساعيا أو كاتبا صغيرا في مصلحة يصرف له راتبه بحساب الشهر الإفرنجي، فكثيرا ما يفاجئه أهل منزله بطلعة رجب، وليلة نصف شعبان، وليلة عاشوراء، مما يقتضي نفقات يسهو المسكين عن الاحتياط لها أول الشهر يوم «القبضية»، وفي ذلك حرج عليه. وإذا تغيرت الحروف العربية كان تغيرها عليه مصيبة ثالثة؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ حساب الخباز والخضري والجزار. أقل ما في اعتراض الرجل أن له أسبابا يبينها ليدفع عن نفسه بلوى الحروف اللاتينية. ولكن ما ظنك بمن يعترضون لوجه الشيطان، ويخيلون إليك مع هذا أنهم باعتراضهم إنما يبتغون وجه الله والمحافظة على دين الإسلام؟
التاسع:
يقولون إن رسم الكتابة
العربية مستعمل لكتابة لغات إيران والهند والملايو «جاوه وسومطره وغيرهما»، فكلها تابعة للعرب في هذا الشأن، وإن المسلمين هناك، وعددهم لا يحصى، يكتبون ويقرءون القرآن والحديث بهذا الرسم العربي، فكيف تريد حرمانهم من هذه المزية وحرمان العرب من هذا الشرف الكبير؟
سبحان الله! لئن كانت لغات تلك البلاد مبتلاة بمثل ما العربية مبتلاة به في حركات كلماتها، فالأخلق بالمعترض أن يقلب سؤاله فيقول: كيف أن العرب - وهم إخوان أهل تلك البلاد في الدين - قد رزءوهم بمصيبة الرسم العربي السخيف، ووضعوا غله في عنق لغاتهم، وجعلوهم عليهم بلسان الحال من الساخطين؟
حقا إن أهل تلك البلاد يكتبون لغتهم بالرسم العربي، ويكتبون به القرآن، ولكن هل تظن أن عامتهم أو خاصتهم يفهمون شيئا من القرآن؟ كلا، بل يلوح لي أنه إذا وجد فيهم من يتعلم العربية ويكتبها ويقرؤها، فكما يوجد من المستشرقين من يتعلمها لا أكثر، وإذا طبعت هناك كتب عربية فكما تطبع في أكسفورد وليدن وليبزج لا أكثر.
قدم لي أحد من عادوا من حج هذا العام كتيبا مطبوعا سنة 1933 في مدينة لاهور بالبنغال، به بعض سور من القرآن وبعض أدعية مكتوبة بالرسم العربي، ولكن كل سطر منها تحته ترجمته بلغة تلك البلاد. مما يدل أولا: على أن القرآن مترجم من العربية إلى لغة هؤلاء المسلمين من عهد بعيد. وثانيا: على أنهم إنما ينطقون بكلمات القرآن كما تنطق الببغاء بدون أن يدركوا لها معنى إلا ما تؤديه لهم الترجمة المكتوبة تحتها. ومن ناحية أخرى إذا تأملت في مقدمة هذا الكتيب، وفي طريقة إشارته إلى بعض سور القرآن، ثم في طريقة كتابته للقرآن نفسه، لعلمت أولا: أنهم في لغتهم يحرفون أسماء السور؛ فيقولون: «سورة فتح. رحمان. واقعة. ملك. مزمل. نبأ. إخلاص» بحذف أل التعريفية. وثانيا: أنهم يكتبون هيكل كلمات القرآن على أصله النبطي القديم، فيكتبون الكلمات الآتية من سورة الرحمن هكذا: «ينتصرن. يكذبن. جنتن. عينن. تجرين. زوجن. قاصرت. مدهامتن. عينن. نضاختن. ذي الجلل» بحذف حرف الألف من موضعها في كل من هذه الكلمات، والاكتفاء بألف صغيرة فوق الحرف الممدود. وفي هذا دلالة حسية على أن واضعي رسم المصاحف المتداولة بيننا الآن، إذا وضعوا الألفات مواضعها في كل تلك الكلمات فقد خالفوا رسم الهنود المطابق هيكله للرسم العربي الأصلي، وأنهم هم والهنود كانوا من قبل خرقوا الإجماع أيضا بوضع الألف الصغيرة فوق الحرف الممدود، مما لم يكن له سابقة في مصاحف عثمان بن عفان. ومن هذه الناحية ترى أن الإجماع على أصل الرسم الذي لم تكن فيه ألف ولا إشارة لألف قد خرقه المسلمون، مرة أولى بإشارة الألف؛ أي تلك الألف الصغيرة التي بقي الهنود ملازمين لها. ومرة ثانية في بلاد العربية التي وضعت في مصاحفها حرف الألف داخل هيكل الكلمات، مستبقية أيضا تلك الألف الصغيرة فوق الحرف الممدود، في بعض الكلمات، وغير مستبقية لها في البعض الآخر. مما يزيدك علما بأن رسم المصحف لا قدسية له، ولا يحتج فيه بأي إجماع.