السادس:
كتب بعضهم يقول:
إذا اتخذت الحروف اللاتينية لكتابة العربية وبقي القرآن والحديث بالحروف العربية فمن يقرؤهما في المستقبل؟ ألا تكون الكتابة العربية حينئذ بمنزلة الكتابات التي اندرست كالقبطية القديمة (هو يعني كتابة قدماء المصريين) وغيرها؟
كلا يا سيدي، ها أنت ذا ترى فيما أسلفت ما يطمئنك على بقاء القرآن والحديث مكتوبين بالرسم الحالي، فلن يندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائما من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية من يقرءونه ويحافظون عليه.
على أنه لا يغيب عن سيدي أن اختراع الطباعة والفوتوغرافيا والفونوجراف كدس في عدد عظيم من دور الكتب بمشارق الأرض ومغاربها أكداسا من الكتب العربية، قديمها وحديثها، مطبوعها ومصورها، كما كدس أقراصا تشخص جرس ما للحروف العربية من النغمات. وليس تكديس ذلك في البلاد الأجنبية لهوا من أهلها ولعبا، بل إن هناك من العلماء من يعكفون على قراءتها للوقوف على ما بها، لا لاستفادة فلسفة أو علم أو فن أو أدب هم في حاجة إليه، بل للوقوف على تاريخ الفلسفة والعلوم والفنون والآداب ومراحلها التي تكون قطعتها من قبل في بلاد العربية، ثم للوقوف على كيفية النطق بالعربية الفصيحة، بل وعلى كيفية النطق بلهجاتها العامية في مختلف البيئات. فإذا كان هؤلاء العلماء المستشرقون يقرءون هذا الرسم ويحددون جرس العربية وهي غير لغتهم، كما قرءوا من قبل لغة قدماء المصريين البائدة وإن لم يصلوا لتحديد جرسها لانقراض الناطقين بها، أفتظن أننا نعدم، واللغة لغتنا، أن يقوم من بيننا الكثيرون يعملون عمل المستشرقين، حتى لو فرضنا أن المعاهد الدينية عندنا لا تحافظ على الرسم القديم؟ إنك يا سيدي جد متشائم، ولكنك تخلق لنفسك هذا التشاؤم بالصناعة لتخلق الاستشكال. أما أنا فجد متفائل. وكل يعمل على شاكلته، وربك أعلم بأينا هو الأقرب للعربية رحما، وأينا هو الأهدى إليها سبيلا. ولو كان في علم الله تعالى أن تشاؤمك حق، وأن تفاؤلي وحسن ظني بقومنا باطل، لوجب أن أواري أنا وكل قومنا انحطاطنا عن أعين الناس، وأن ندفن رءوسنا في الطين.
السابع:
يقولون إن رسم الحروف
من مشخصات القومية، فكيف نعدم هذا المشخص؟
وهذا اعتراض غريب. الحق الذي لا ريب فيه أن مشخصات كل أمة في يوم الناس هذا، اثنان لا ثالث لهما: وحدة الوطن الإقليمية والسياسية ووحدة اللغة. أما وحدة رسم الكتابة فلا يقول أحد إنها من مشخصات الأمم، لا هي ولا وحدة الزي، كلا ولا وحدة الدين. إن الفرنسيين والإنجليز والأمريكان والطليان والأسبان والبلج وغيرهم، كلهم يتخذون حروفا واحدة لرسم كتابتهم، وكلهم يتخذون زيا واحدا للباسهم من الرءوس إلى الأقدام، وكلهم نصارى على دين المسيح، ولم يقل أحد إنهم جميعا أولو قومية واحدة، أو إنهم جميعا أمة واحدة يشخصها الزي أو رسم الكتابة أو تشخصها وحدة الدين. وكذلك الإيرانيون والجاويون لا يقول أحد الآن إنهم هم والعرب أمة واحدة لمجرد أنهم يشتركون معهم في رسم الكتابة، وأنهم كسواد العرب يدينون بالإسلام. بل إن كلا من تلك الأمم إنما يشخصها استقلالها سياسيا بأرض وطنها ثم وحدة لغتها فحسب. وها أنت ذا ترى الحرب قائمة على قدم وساق بين أمم كلهم مسيحيون ومتشابهون في رسم الكتابة وفي الأزياء. فلا تسمع لكلام المهوشين الذين يوهمونك بالباطل لمصلحة مزاعمهم التي يناقضها الواقع المحسوس في كل بلاد الله.
الثامن:
من أطرف الاعتراضات
أن أحدهم أرسل لي بالبريد تذكرة مفتوحة يقول فيها ما حاصله، بما يقرب من لغته ويبرز فكرته: «أما كفانا أن الساعة بعد ما كانت بالعربي عملوها بالإفرنجي، وأن الأشهر بعد ما كانت بالعربي عملوها بالإفرنجي، ولم يبق لنا إلا الكتابة بالعربي، فحتى هذه البقية الباقية تريد أن تفرنجها؟ يا شيخ فضك من التخريف.»