وإذا كانت الحروف العربية وثنية منقولة مباشرة عن الوثنيين فإن اللاتينية إنما أنقلها الآن عن النصارى وهم أهل كتاب أقرب من الوثنيين إلينا نحن المسلمين. بل إن المتفق عليه أن حروف الكتابة عند جميع أمم أوروبا مأخوذة عن اليونانيين الذين أخذوا حروفهم عن الفنيقيين، وأن جميع الكتابات السامية والآرامية وفروعها التي منها العربي النبطي أصلها أيضا مأخوذة من الفنيقيين، فاتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية ليس فيه إلا مجرد استرداد لعاريتنا نحن الشرقيين بعد أن هذبها العقل اليوناني وأشاعها في بلاد أوروبا.
على أن الاعتراض بمسألة «الإجماع» هو تكأة العاجزين، وهم أناس مقلدون غلف العقول، إذا صرعهم الحق لملموا أشلاءهم وهرولوا لاجئين إلى قدس الدين، بل إلى لفظ الدين، يرمون عن قوسه، ويتخذونه مجنا يتقون به ما للحق من طعنات مصميات. والدين في قداسته - كما يعرف رجاله المحترمون - لا شأن له برسم كتابة العربية، وحروف لفظ الدين (ألف، لام، دال، ياء، نون) أوهى من أن يكون لها أي أثر في هذا السبيل، لكنهم في كل حركة وسكنة هكذا يفعلون، ترهيبا للبسطاء وإيهاما وخداعا باسم الدين، والله يشهد إنهم لكاذبون.
اعلم أن الدليلين؛ أي المصدرين الأساسيين الوحيدين في الشرع الإسلامي، هما كتاب الله والصحيح من سنة نبيه الكريم لا غير. وأن هذين المصدرين لما لم يكونا شاملين بالتفصيل لكل أحكام العبادات ولكل الأحكام الأخرى التي تطبق عند طروء ما يطرأ على المسلمين من الأحداث، وما يقوم بينهم من أقضية المعاملات؛ فقد اضطر المسلمون أن يرجعوا إلى الكتاب وصحيح السنة كيما يستنبطوا منهما تفصيل الأحكام في تلك الشئون. ولما كانت الحوادث دائمة التقلب والتجدد، وكان معظم تقريرات ذينك المصدرين واردا في حوادث وأقضية بخصوصها، اضطر المسلمون أن يقيسوا الحوادث والأقضية بأشباهها ونظائرها مما تناوله الكتاب والسنة، وأن يطبقوا عليها ما قرراه من الأحكام في تلك النظائر والأشباه؛ ومن أجل هذا جعلوا القياس من المصادر المعتبرة في الشريعة. وهذا أمر تدعو إليه الضرورة وتأمر به البداهة العقلية تحقيقا لمصلحة الاجتماع. ثم نظروا فوجدوا أن أحوالا قائمة أو تقوم في الناس - وعلى الأخص فيما فتحه المسلمون من الأمصار - من عادات في آداب السلوك، وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضعات وعرف في المعاملات، لم يأمر بها كتاب ولا سنة، ولم يمنع منها كتاب ولا سنة، فأوجبوا بقاء تلك الأحوال - ما هو قائم منها وما يقوم - على ما هي عليه، واعتبارها أصلا يصار إليه إذا حدث بسبب حال منها نزاع. وسموا علة هذا الاعتبار «الإجماع»، وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره. وكان هذا الجعل أمرا لازما تدعو إليه أيضا ضرورات الاجتماع، لكن هذا «الإجماع» الذي عبر العلماء عن قوته بكليات من القول المحكم الوجيز؛ كقاعدة «العادة محكمة»، وقاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، وقاعدة «القديم على قدمه»، هذا الإجماع لا يجوز ألبتة أن يعطل مصلحة من مصالح المسلمين، بل إنه إذا كشفت ظروف الأحوال عن ضرره بالمجموع، وكان في اطراحه والاستبدال به خير للمسلمين، فإن واجب الحاكم الشرعي أن يأمر باطراحه والاستعاضة عنه من الأنظمة والأحكام بما يحقق مصلحة الاجتماع. وإلى هذا الواجب أشاروا أيضا بقواعد منها «الضروريات تبيح المحظورات»، و«درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، و«الضرر يزال».
هذا هو مركز «الإجماع» الذي يقولون عنه عند المسلمين. وإذ كانت طريقتي في رسم العربية ورسم القرآن الكريم تزيل الضرر وتحقق مصلحة المسلمين تمام التحقيق، فأعفني من زيادة الكلام في وهانة هذا الاعتراض.
على أن العربية ستبقى بفضل الله دائما هي العربية، فإذا كان بعض رجال الدين المحترمين يجدون - كما قد يلوح لي - على أنفسهم غضاضة ما أو مشقة ما من ترك القديم، فليبق لهم رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن - كما قلت في بعض المواقف - وليكتبا لجماهير الناس بالرسم الجديد. بهذه المثابة يبقى القرآن وصحيح الحديث مقروءين قراءة صحيحة من جميع الناس، محفوظين عند جميع الناس. وإن لدينا الآن بالمعاهد الدينية كثيرا من العلماء وآلافا من الطلبة، وهؤلاء إذا بقي لهم رسم العربية كما هو، واستمروا في قراءة كتبهم برسمها الحاضر، فإنهم سيكونون أيضا في طليعة قراء العربية بالرسم الجديد؛ إذ يكفيهم معرفة حروف الهجاء الجديدة وحروف الحركات الثلاث حتى يستطيعوا القراءة بلا أدنى عناء. وإذا قدر لمشروعي النجاح، وهو ما أعتقد أن سيكون عاجلا أو آجلا، فلعل لنا فائدة في بقاء حضراتهم على استعمال الرسم الحاضر، هي أن يؤدوا لنا في المستقبل عمل المستشرقين، ويحلوا لنا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد من قديم الكتب والمؤلفات. بل لعل ما نحن فيه يكون فرصة ساقها الله لحضرات علمائنا الأجلاء وهو ينظر إليهم هل يهتبلونها فيشمروا عن ساعد الجد لتنقية كتب الحديث الشريف مما وضعه ودسه علينا الزنادقة والخوارج والقصاصون والسذج من الصالحين وهواة الإسرائيليات والمتزلفون لذوي السلطان؛ وذلك حتى لا يكتب بالرسم الجديد وينشر للجماهير من الأحاديث إلا ما صحته لا شك فيها ولا ارتياب؟ لعلها تكون فرصة هيأتها يد القدر، فهل هم منتهزوها ففاعلون، كيما ينالوا ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وهو ثواب ضمنه الله للعاملين المحسنين؟