Petra »؛ أي
الصخرة، وعاصمتهم الجنوبية كانت تسمى «الحجر»، وهي المعروفة الآن باسم مدائن صالح على خط سكة حديد الحجاز، وأن هؤلاء النبطيين كانوا يعبدون اللات والعزى ومناة وهبل، وأنه للاتصال المستمر بينهم وبين أهل الحجاز نقل الحجازيون عنهم رسم كتابتهم، بل وعبادة آلهتهم. هذا هو الثابت للآن والمأخوذ به في جامعة فؤاد الأول.
3
وسواء كان رسم العربية الذي رسم به القرآن منقولا عن النبطيين من شمال الجزيرة؛ كما قال المستشرقون المتأخرون، أو عن اليمنيين من جنوبها؛ كما قال المتقدمون، فإنه في الحالتين رسم وثني بلا نزاع. بل اللغة العربية نفسها التي نزل بها القرآن لم ينشئها القرآن، بل هي كانت لسان قريش وغيرهم من قبائل العرب، وقد كانوا جميعا وثنيين، إلا عددا نزرا من أهل الكتاب. فهي لغة هؤلاء الوثنيين، وقد نزل بها القرآن، وما كان يمكن أن ينزل إلا بها؛ فإن الله تعالى يقول:
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان
قومه ليبين لهم .
إذا كان هذا هو الحق، وكان الله يقول:
والله لا يستحيي
من الحق ، ويقول:
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع
أمن لا يهدي إلا أن يهدى ، ثم يردف هذا بالنعي على المنصرفين عن حكم العقل فيقول:
فما لكم
كيف تحكمون ، يقول هذا إيذانا لنا بأن الحق وحده هو الواجب الاحترام، وأنه وحده الذي لا يستحى من الجهر به، وبأن الباطل ممقوت وعباده مأفونون سيئو الحكم والتقدير. إذا كان هذا هو الحق فإني، احتراما للحق، واحتراما للقرآن، وعملا بوصايا القرآن، أقرر بأني لست مكلفا باحترام رسم القرآن، ولست ألغي عقلي لمجرد أن بعض الناس أو كلهم يريدون إلغاء عقولهم، ولا يميزون بين القرآن العظيم، كلام الله القديم، وبين رسمه السخيف الذي هو من وضع الوثنيين القاصرين.
افهم عني هذا. وما يهمني أن ترى رأيي أو لا تراه؛ فإن الله يقول:
إنك لا تهدي من أحببت
ولكن الله يهدي من يشاء .
شكل 1: صورة النقش الذي عثر عليه المرحوم حسن أفندي الهواري [منقولة عن كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق].
وهذه قراءته مفصولا بين كل سطر وما بعده بخط:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر ---
لعبد الرحمن بن جبير (أو جبر، أو جبار، أو خير) الحجازي (أو الحجري) اللهم اغفر له ---
وأدخله في رحمة منك وآتنا معه ---
استغفر له إذا قرأ(ت) هذا الكتب (الكتاب) ---
وقل آمين وكتب هذا ---
الكتب (الكتاب) في حمدى (جمادى) الأ ---
خر من سنت (سنة) إحدى و ---
ثلثين (ثلاثين).
الخامس:
يقولون كيف تريد أن ترسم القرآن؟ وكيف تخالف الدين بمخالفتك إجماع المسلمين؟ بل إن أحدهم أرسل لي صورة برقية بعث بها لجلالة الملك يطلب إليه حماية الدين من هذا الشر المبين.
أما كيف أريد أن أرسم القرآن، فإنك لا شك علمت أن أسعد يوم في حياتي هو اليوم الذي أرى فيه كتاب الله مرسوما رسما يضبط بذاته كيفية أداء كلماته بلسان العالم والجاهل والمسلم وغير المسلم والعربي والأعجمي، أداء صحيحا لا يحتمل لحنا ولا تصحيفا. علمت هذا وعلمت أن الحروف اللاتينية بما فيها من حروف الحركات وما يضاف إليها من حروفنا العربية ذات النغمات التي لا تؤديها الحروف اللاتينية هي وحدها إلى الآن - في رأيي - التي توصل إلى تحقيق هذه الأمنية. وإذ كان أول ما يهمني هو المحافظة على سلامة أداء القرآن فرأيي بالبداهة إنما هو رسم القرآن بهذه الحروف اللاتينية وما أضيف إليها من العربية، وإني أعالنك بهذا مطمئن الضمير، مراقبا الله وحده فيما أقول وما أعالن به.
يهب الهبابون صائحين قائلين إن هذا حرام؛ لمخالفته إجماع المسلمين الذين تواضعوا من عهد النبي الكريم على رسم القرآن بالحروف العربية. وأقل ما يجاب به هؤلاء الهبابون أن المسلمين في عهد عبد الملك قد خرقوا إجماع من قبلهم إلى عهد النبي؛ فوضعوا النقطات التي لم تكن في صحف النبي ولا في مصاحف عثمان بن عفان. ثم خرقوه بعد عبد الملك بن مروان؛ فوضعوا الشكل بطريقة ثم بأخرى. ولست أعترض عليهم في خرق الإجماع ثلاث مرات؛ فإنهم إنما أرادوا الإصلاح ما استطاعوا. والإجماع الفاسد لا حجة فيه على أحد من المسلمين ، وأنا أيضا أريد الإصلاح ما أستطيع، فأبدل الحروف اللاتينية من الحروف العربية وأكفي المسلمين سوء رسم العربية الذي يشكو منه الناس أجمعون، والذي قال عنه الجارم بك، ما موجزه: «إن هذا الرسم أصبح فنا من الفنون، بل لغزا من الألغاز، وإنك إن لم تكن لغويا نحويا صرفيا معا لما كنت قارئا ولا شبه قارئ، وإن الشكل لا يقي من اللحن والخطأ، وإنه جرب في المدارس أن الطالب المثقف لا يستطيع قراءة القرآن مع أنه مشكول على أدق ما يكون.»