يرده الذكر فالممدود مشدود
الله أكبر يا نوام فانتبهوا
جد المعاد ولم تنجز مواعيد
إن تنجزوه فتفكير ومعذرة
أو تنسئوه فكفران وتجديد
هذا المؤذن يسري صوته نغما
لحن رهيب له في الصدر ترديد
يطهر النفس من أدران عالمها
فالنفس صاعدة واللحن تصعيد
كأن تعويذة في الجو عابرة
تمسها فإذا بالإثم مردود
لحن حبيب يجوب الكون مخترقا
مع الأثير حدودا دونها البيد
لحن شجي يجوب الليل هاتفه
وأين منه إذا أسرى الأغاريد؟
وأين منه لحون الطير ذكرها
وكر الحبيب بأن الإلف مفقود؟
وأين منه المثاني في تلهفها
تبوح بالشوق أو يفضي به العود؟
الله أكبر مات الليل وانبلجت
أشعة الصبح ... هذا الفجر مولود
| قلب عجوز
في 6 / 7 / 1944
ماتت حواسك بعد الحس والشعر
ما بال قلبك ينزو نزوة الغر؟!
يضج كالطفل مأخوذا بدميته
إذا تلفت مسحورا بلا سحر
وما تأود غصن من نضارته
إلا أكب على الأشواك والزهر
أكلما شام برقا ظنه قبسا
وإن توهج لون لاح كالتبر؟ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ينام يقظان لا تخبو مراجله
ولا يحول إلى فحم من الجمر
كأنه الحية النضناض تحسبها
من السكون جمادا وهي في الجحر
تنساب رقطاء إن هاجت طبيعتها
وتحتمي بشقوق الكهف في القر
فاعجب لقلب كثعبان بلا خلق
يا ليت قلبك هذا قد من صخر
رانت على عينك السكرى غشاوتها
وقل من حدة الإبصار ما تذري
فلا الجنان كما كانت خمائلها
ولا الجداول في أنحائها تجري
ولا الندي ولا السمار في سمر
ولا المدامة في إبريقها تغري
ووقع البلبل الغريد أغنية
وردد اللحن ما في الأيك من طير
فأنكرت أذناك اليوم سجعته
وكم طربت لها في سالف العصر!
ليس الجميل جميلا أو تعد له
من فيض نفسك نبعا صافي الغور
إذا عشوت فنور البدر منحرف
والشمس حائلة كالشمس في الظهر
يا خافقا كذبيح الطير من ألم
نكأت جنبي وجاف الجرح في صدري
غدرت يا قلب في صحو وفي ثمل
وما تبرمت حتى خانني صبري
أما الشباب فقد ولى على عجل
ولا إياب فرفقا بالذي تفري
ولى الربيع؛ ربيع العمر واختلفت
فصول دهرك فاهدأ باقي العمر
| أيا جارة السين
نشرت بجريدة الأهرام عدد 21422 ص3 بتاريخ 25 / 8 / 1944.
تلقى الشاعر دروسه في باريس ونال شهاداته العالية في الآداب والحقوق من جامعتها الكبرى، وكان لا يزال في العاصمة الفرنسية يوم دخلها الجيش الألماني منذ أربع سنوات، وهذا ما وصفه في هذه القصيدة الرائعة. ***
هوى النسر وارتدت إليه مخالبه
وضاقت به الأجواء إذ هيض جانبه
ترنح مطوي الجناحين قابضا
من الذعر أنفاسا دراكا تجاذبه
تأمل! فهذا النضو أشلاء كاسر
تحدى بساط الريح والسحب واثبه
رأى «الرين» أدنى من مسارح طرفه
وأيسر مما تشتهيه رغائبه
فخف إلى «السين» القريب كدأبه
وهيهات أن تقضى بري مآربه
وطار إلى «المانش» البعيد مخلفا
على «التبر» أجنادا وحلفا يراقبه
وود لو اجتاح الشمال مجازفا
إلى القطب أو يعنو الشمال وصاحبه
وأوغل في روسيا وروع دبها
فما راعه إلا هزبر يغالبه
وطوف حتى شارف النيل لاهثا
ولولا عيون الله حلت مصائبه
ولو عب أمواه المجرة ما ارتوى
وأنى له الإشباع والداء كالبه؟!
أدل على السامي بجنس وسحنة
ولم ير في الآري جنسا يقاربه
ولم أر كالنسر اعتزازا بجنسه
وإن كنت لا أدري لماذا أعاتبه؟!
فخرنا بميراث وفضل حضارة
وباهى بجيش لا تفل قواضبه
فيا ليت شعري! كيف بات مجندلا
وكيف أصابت مقلتيه مضاربه؟
وسبحان من لو شاء راش جناحه
ولو شاء جاب الشرق والغرب جائبه
وسبحان من أملى وأرداه عاثرا
ولو شاء ما أعيت عليه مذاهبه •••
وقائع أيام شهدت صروفها
نزيلا بغاب قد تجاسر غاصبه
أباحت له الأقدار يوما عرينه
بليل أهيم أبطأته ثواقبه
فإن أنس لن أنسى حياتي جحفلا
تهجم كالمحموم والجوع كاربه
رأيت بعيني ما يكذب خاطري
كأني أرى وحشا تدلت غباغبه
فلم يبق في باريس إلا مشتت
يبيت على الغبراء والليل ناكبه
ولم يبق إلا جائع جف حلقه