كم تمنى ناصح أن يخدعك
وتكبر كعزيز مقتدر
إن تحدك قوى ذو خطر
وتواضع لصغير مفتقر
ليس يغريه التداني بالبطر
وتجاهل عارفا من صانعك
وضع المعروف في وضع الندى
وانس ما أخفيت منه أو بدا
أنت أحسنت فماذا لو عدا
لا تؤمل منه خيرا أو يدا
ضيع الخير خئون ضيعك
وارحم المجنون لا تهزأ به
وترفق مشفقا من خطبه
أفتدري أنت ما في قلبه؟
إن في عينيه ما في لبه
لو أزيح الستر عنه روعك
وسل المجرم ماذا اجترحا؟
أي شيطان به قد جمحا؟
واعف عمن جار ثم انتصحا
رب جان تاب ثم انصلحا
زحزح الغشية حتى يسمعك
لا تفرق بين دين ووطن
ليس لله حدود وزمن
ضل فيمن ضل عباد الوثن
وأرى الناس عبيدا للسنن
فتجرد وتعرف مرجعك
كلنا نسل لأم ولأب
لا تفرق بين جنس ونسب
أمنا الأرض ومهما نغترب
نحن منها وإليها المنقلب
يسترد الله ما قد أودعك
إنما الدين ضمير شاعر
ليس يخلو منه إلا سادر
والضمير الحي قلب عامر
وحيه الصادق أمر قاهر
فتحرر وتخير مشرعك
وابتسم للدهر وافرح للمحن
ميت الأحياء من لم يمتحن
وإذا نالك سهم فاستهن
وتلقف ثانيا لا تستكن
لا تقل: أواه! مهما أوجعك
واقتحم دنياك في عزم الأسد
إنما المجد كفاح وجلد
عاند الدهر إذا الدهر عند
وابلغ الشوط وإن طال الأمد
لا يرعك الليل فالله معك
| أيها الشاعر
نشرت بمجلة الثقافة في العدد 268 بتاريخ 15 / 2 / 44. ***
أيها الشاعر الحزين عزاء
سرك الدهر بالمنى أم أساء
كم أضأت السبيل للعابر الحا
ئر والضال فاهتدى واستضاء
تلمح النفس أختها فيك حتى
تتجلى خلالها بيضاء
أنت كالنبع في صفاء ليال
زانها البدر فاستزادت رواء
أنت روح والروح من أمر ربي
لم يزح عنكما الزمان غشاء •••
أنت في هامش الحياة كظل
حال إذ لاح ثم عاد وفاء
أنت معنى من المعاني غريب
يعجز اللفظ عنده استعصاء
أنت طير على الأراك ولحن
في فم الدهر حير الأحياء
أنت كالنحل ترشف الورد شهدا
سائغا ثم لا تريد جزاء
أنت كالحلم في جفون العذارى
إن دعاك النسيب والوحي جاء
أنت كالبحر تنثر الدر شعرا
والحصى حشوا والرمال هراء •••
يهمس الناس كلما لحت همسا
ويناجيك من تراهم نجاء
شاعر شارد يهيم ضلالا
يشرب الخمر صبحه والمساء
والعيون التي تناجيك أقسى
من لسان ينال منك افتراء
لست منهم وليس فيهم صديق
كلهم حاقد ومبد رياء
مشفق منك من تظن صديقا
لا عليك الذي يريك وفاء
لست منهم فاربأ بنفسك عنهم
إن في الأرض مهربا ونجاء
لست منهم فلا تصدق كذوبا
يدعي الود أو يفيض ثناء
لا تصدق فلو رأوك رفاتا
لاستساغوا العظام تشوى شواء •••
يعرف الناس عنك شيئا وتخفي
غير ما أنت معلن أشياء
لست تشكو لغير شعرك ما تل
قى فتذكي شكاتك البرحاء
شاردا في السماء حينا وحينا
تذرع الأرض أو تقيس الفضاء
تمزج الشعر والدموع مزيجا
لا تراه العيون إلا ارتياء
والنجيع الذي تصب القوافي
فيه كالخمر يستثير الغناء •••
أنت في الناس صالح في ثمود
فادع ما شئت ... لن يجيبوا دعاء
وإذا جئت بالدليل مبينا
أعرضوا عنك مدعين غباء
مت وحيدا كما حييت وحيدا
واجرع الكأس مرة كدراء
أيها الشاعر الذي ليس يرضى
كيف بالله قد رضيت الثواء؟!
قد حملت الحياة عبئا ثقيلا
فاهدأ اليوم واطرح الأعباء
أيها الشاعر الحزين عزاء
ذهب العمر والنشيد هباء
| أذان الفجر
نشرت بمجلة الرسالة. العدد 567 بتاريخ 15 / 5 / 1944. ***
الله أكبر هذا الذكر توحيد
الله أكبر هذا اللحن تجويد
ترنم الكون في رفق وفي دعة
وسبح الطير والتسبيح تغريد
وأرهف الليل أذنا جد صاغية
والبدر معتكف والأفق مخضود
وكاد يطرق ما في الكون من حجر
فللجماد كما للحي تهجيد
بلال أذن في أعلى منابره
وردد الذكر والمزمار داود
لله صوت سرى والليل منهزم
كما تراجع بعد العزم رعديد!
تطير كالعهن أشتاتا غياهبه
كما تناثر بركان وجلمود
ويزحف الصبح في أعقاب جحفله
فينجلي ولواء النور معقود
لله صوت سرى وهنا على وهن
حتى تجاوب بعد الكبت محدود
بينا يجلجل في الآفاق منطلقا