ومن أسماء هذا البلد القصطنطينية، والآستانة، وفروق - وهذه لا أعرفها إلا من شعر شوقي «بك» عليه رحمة الله - ودار السعادة على ألسن الترك و«در سعادت» على ألسن الترك والمتتركين، وحقيق بمثوى الخلافة الإسلامية أن يكون كل هذه الأسماء، ولا تنس مثوى الخلافة الإسلامية في عهد العباسيين، فلقد كان من أسمائها: بغداد، بغداذ، بغذاد، بغدان، مدينة المنصور، مدينة السلام ... إلخ. ولقد قال المتقدمون: إن كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى.
وبعد فلقد علمت أن كثيرا من المصريين كانوا يحجون في مطالع الصيف من كل عام إلى دار الخلافة، ثم يعودون إذا عادوا، فيحكون شأن رصفائهم من رواد بلاد الشام.
على أن الحديث - كما قلت لك في المقال السابق - مختلف بين الفريقين جد الاختلاف، فإنك قل أن تسمع من رواد اصطمبول حديث «البقلاوة» أو «البلنج ضلمة» أو «الأمام يبلدي»، وأرجو أن تفخم اللام في هذه بكل ما تستطيع من التفخيم.
إذن لم تكن جمهرة أحاديث هؤلاء مما تتحلب له الشفاء، ويتنزى على ذكره عصير المعد، بل لقد كان حديث «حكائيهم» في السياسة العليا، وفي شوكة السلطان، أو الخليفة، أو «الياديشاه» وما له من قصور تزخر بالعين الحور، وما تخرج يلدز للمقربين من موائد تعد في كل يوم بالآلاف، تجمع كل واحدة منها عشرات الصحاف ... إلخ.
أما جنود السلطان وفيالقه وجيوشه وكتائبه، فمما «لو رمي بواحدة منها مناكث الأرض لم تثبت على قدم!»
وناهيك بما أصاب هؤلاء الرواد من متع دونها ما وصف، نعيم أهل الجنة، وناهيك بما وقفوا عليه من أسرار السياسة، سياسة الباب العالي التي سيدين لها العالم، وتحشر بين يديها دول الأرض في قريب من الزمان!
وقبل أن أعرض عليك نماذج من أحاديث أولئك الحكائين، أرى لزاما أن أقرر أن عيش الحر في تلك البلاد في عهد السلطان عبد الحميد لم يكن إليه سبيل بحال من الأحوال، ويحسب المرء أن يرفع بصره إلى قصر من القصور السلطانية، أو يحرك لسانه بكلمة واحدة في السياسة أو يذكر الجيش ولو بالخير، أو ينطق باسم عبد الحميد يريد به أي إنسان كان يحسبه شيء من هذا ونحوه لتخطفه «الخفية»
1
خطف العقبان، وسرعان ما تلقي به في مطق
2
يظل يتخلج في ظلامه الأيام الطوال، حتى يأذن الله بطلعة المستنطق
3
فإذا قضى أياما أخر بين السين والجيم وقف المسكين على مفترك الحظوظ، فإما إطلاق وهذا هو الفوز الأكبر، وإما أمر بترك البلاد إذا لم يكن من أهلها، وهذا هو الفوز نمرة 2، وإما ترك له في السجن ونسيان، حتى يأذن الله بالفرج بعد عام أو أعوام، وإما نفي في بعض قواصي الولايات، وإما إلقاء في البسفور حيث يفرح له في بطون الحيتان!
والعجب أن عثمانيا لم تطل خلافته كما طالت خلافة عبد الحميد، والأعجب أن استبدادا وعسفا وتخريبا لم يقس في تلك المملكة كما قسا الاستبداد والعسف والتخريب في عهد عبد الحميد، ولم يخرج عنها من ولاياتها ولم يقتطع من أملاكه كما خرج واقتطع في عهد عبد الحميد، وأعجب الأعجب بعد هذا كله أن جمهرة المصريين لم يحبوا أحدا كما أحبوا عبد الحميد، ولم يدينوا بالولاء الحاد للإنسان كما دانوا لعبد الحميد، ولولا بقية تمسكهم من دين لعبدوه مع الله أو لعبدوه من دون الله، والعياذ بالله، وأستغفر الله العظيم!
وذلك الحب المتمكن من النفوس، والمتغلغل في القلوب يرجع إلى أسباب لا محل لبسطها في هذا المقال، وكيفما كان الأمر فإن السلطان عبد الحميد لقد بلغ من نفوس المصريين على الخصوص موضع التقديس والتنزيه، حتى إذا لاح في خاطر المرء لائح من الأفكار لبعض حكمه وتصريفه، أسرع فرده واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم!
ولم يكن أعوان السلطان على إدارة الشئون وتصريف الأمور هم الوكلاء - الوزراء - ولا من دونهم ممن يشغلون عليا المناصب في الدولة، بل لقد كان الرأي قسمة بين السيد أبي الهدى الصيادي - من مشايخ الطرق الصوفية - والشيخ ظافر «شرحه» وعزت «باشا» العابد، ولا أدري ماذا كان منصبه، ولا تنس نفوذ الباش مصاحب - الباش أغا - أو كبير الخصيان في قصر السلطان، أما آخر من يتحدث عن أي أمر من الأمور، أو يرجع إلى رأيه في شأن من الشئون فهو صاحب الفخامة الصدر الأعظم، وكان يتقدم بحكم البروتوكول على خديوي مصر في تلك الأيام، ولهذا ظل المرحوم خليل رفعت «باشا» صدرا أعظم في أكثر عهد السلطان عبد الحميد؛ لأنه لم ينطق في الشئون العامة بكلمة واحدة!