وعلى الجملة، فلقد أثمر هذا النظام كل ثمراته من إشاعة الدس والكيد، والسعاية والوقيعة، والبطش والتنكيل، وإهلاك أصحاب الكفايات أو إبعادهم، وتقريب الجواسيس،
4
وإطلاق أيديهم في أرزاق الناس وأعمارهم، وأضحت الرشوة هي السبيل إلى نيل الحقوق وإلى غصب الحقوق على السواء، وتبع ذلك ما ينبغي أن يتبعه من جذب العقول، وفقر الجيوب، وتقلص الأفكار، وضمور الحريات، وأسرع الفساد إلى جميع المرافق ولحق الخراب عامة البلاد، ولم يبق عامرا في الدولة كلها إلا «الجيب الهمايوني» الذي تعصر له الرعية عصرا كل صباح ومساء، في ضرائب لا يتناولها الحصر ولا يدركها الإحصاء!
ولقد جرى الولاة في ولاياتهم على هذه الأساليب، وكذلك المتصرفون في متصرفياتهم، والسناجق في سناجقهم، وسائر العمال في أعمالهم، وكيف لهم بالعيش إذا كانت وظائفهم وأرزاق من قبلهم من الجند تحبس عنهم الأشهر بل السنين.
وولي هذا ما يجب أن يليه من ضعف الدولة ووهنها، وعجزها عن حماية أرضها، وتمكين سلطانها من ملكها، فجعلت ولايتها تنسلخ منها واحدة في إثر واحدة، حتى بلغت عدة الولايات التي خرجت عن حكمها في عهد السلطان عبد الحميد وحده قرابة الثلاثين!
ومع هذا وهذا وذلك يأبى الحكاءون إلا أن يشيدوا في المجالس بما أصابوا في دار السعادة من المتاع وما تقلبت فيه أعطافهم من النعيم، وما شهدوا من مجد الدولة وسلطانها، وما اطلعوا عليه من أسباب قوتها وبأسها، وما انتهى إلى علمهم من أسرار سياستها التي تعيي الأفكار وتعز على الأفهام، وإن كانت ثمراتها الضخام ستجنى بعد أعوام أو بعد أيام!
ولقد استهلكت هذه المقدمات التي لا بد منها القدر المقسوم لهذا المقال، فلنرجئ عرض نماذج الحكائين الاصطمبلليين إلى آخر إن شاء الله.
| الحكاءون (3)
اصطمبول (2)
كان بائع غرابيل يجول في الطريق هاتفا بغرابيله، فدعا به رجل واستنزله حمله وسأله أن يحل وثاقه، وينثر الغرابيل بين يديه نثرا، ففعل الرجل وجعل «الزبون» يعجمها واحدا بعد واحد، ويطيل النظر في تفقدها ويكثر من جسها وغمزها، حتى إذا أتى عليها جميعا عاد إلى تفقدها وجسها وامتحانها، وما زال يفعل ذلك ويكرره حتى استهلك فيه الساعات الطوال، والرجل ينظر إليه في غيظ وحنق، لما أضاع من وقته وامتهن من سلعته، حتى إذا انتهى اختياره إلى أصلبها خشبا، وأجودها جلدا، وألحمها نسجا، وأحكمها شدا، قال له: بكم هذا الغربال يا شيخ؟ فرأى الرجل أن يكافئ كل هذا العناء بالإغلاء في الثمن، فقال: بخمسة وعشرين قرشا! فقال له في دعة وفتور: بثلاثة قروش تعريفة! فثار ثائر الرجل، وضرب الأرض بإطار الغربال فوثب حتى صك ناصيته، فأعاد الضربة بأشد مما ضرب فصك الغربال ناصيته بأشد مما صك، وما برح الغيظ يفعل به هذا، والسابلة يجتمعون حوله من كل مذهب ليطالعوا هذا المشهد العجب، حتى شدخ الغربال رأسه وأسال دمه، فصاح فيهم: أيها الناس! أمنتظرون أنتم حتى يقتلني هذا الغربال؟
ولا أكتمكم يا معشر القراء أن هذا القلم كثيرا ما ينشز علي ويجمع، وتستعصب على سياسته وضبط عنانه، ولقد أسوقه في طريق فيخالفني إلى غيره، ولقد أرسم للمقال نهجا محدودا، فيأبى إلا تعدي الحد والعدول إلى نهج آخر حتى ينتهي في بعض الأحيان إلى الغاية التي يبغيها هو لا الغاية التي أطلبها أنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
ومن هذا البلاء الذي امتحنت به من هذا القلم الجامح المتمرد، أنني بدأت مقال الحكائين على أن يجري كله لحال أو قصر في فنون من التسلية والتندر في هذا الحر وهذه الحرب، خيبة الله عليهما جميعا، وإن كنت لا أتزيد ولا أعدو الصدق أبدا، فإذا هو يتنظر لي بشبح عبد الحميد وحكم عبد الحميد، وحكايات من كانوا ينتابون الآستانة في عهد عبد الحميد ثم إذا هو يمعن في هذا الطريق إمعانا لم يدخل لي يوم بدأت الحديث في تقدير ولا تصوير!