تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللهم إن هذا الرحالة الجواد بالمال والنفس إذا دعت الحال في سبيل الترف وتلذيذ النفس بأسباب الرفاهية؛ ليرى نفسه ملزما بأن يأتيك بالجديد، ويطالعك بالطريف، بل مما يذهلك ويدخل عليك الدهش والعجب.

ولنبدأ بحديث رواد الشام، وما أصابوا في بلاد الشام: أما العنب فالعنبة لا تقل في حجمها عن بلحة الزغلول، ولهذا ترى القطف منه أكبر وأضخم من عذق النخل، فإذا أنت قشرتها وعرضتها للهواء استحالت قمعا من السكر لا يميز بينهما إلا البذر، فإذا لم يكن ثم بذر فالتمييز ضرب من المحال!

وهناك أنهار وجداول، ماؤها أحلى من العسل وأبرد من الثلج إلى آخر ما انتهى إلينا من صفة الكوثر في الجنة، وهناك التفاح وما أدراك بالتفاح؟ لقد تلقي بالتفاحة في النهر أو الجدول، وسرعان ما تتناولها مقشرة وقد شطرها لك الماء أربعة شطور، فإذا قذفتها في فمك استحالت شرابا ولكنه زلال، وخمرا ولكنه حلال!

وأما الخوخ، فلا يقل في الحكم عن ثمر الجوز الهندي، وهل تراك تحرك فكا لتمضغه مضغا؟ بل إنك لتترشفه ترشفا وتعب من عسله عبا! وأما البطيخ فمما تنوء واحدته بالعبقريين الشداد!

وأما المشمش، وأما التين، وأما الكمثرى، وأما وأما مما تخرج الأرض وما تعالج الأيدي من ألوان الفطائر والحلوى، فعد ذلك مما يتجاوز الجهد ولا يتسع له نطاق الكلام.

ولقد زعمت لك في بعض هذا المقال أن الحكاء من هؤلاء قل أن يلم في حديثه الطويل العريض بالطبيعة، والآن ذكرت، وأستغفر الله مما عراني من النسيان، فإنهم يعرضون للطبيعة وفضل الطبيعة، فإن أحدهم ليصف لك ما كان يصيب في وجبته من لحم الضأن والطير والسمك والخضر والحلوى والنقل والفاكهة ... إلخ. حتى ليخيل إليك أنه قام وحده بالتهام مطعم كامل، أو أنه طهي له سوق خضار تزاد عليه صواني الكنافة والبسبوسة والهريسة، وما شئت أو لم تشأ من الفطائر والحلوى، وإياك أن تنسى صينية «الكبة الشامي» التي تقرب إليك في صدر الطعام!

وبعد أن يعرض على سمعك لا على عينك ولا على شفتك هذه القوائم أو هذه «المونيهات»

menus

تراه يحلف لك بالمؤثمات من الإيمان، أنه لا يكاد يمضي نصف ساعة على كل هذا الذي خضم وقضم، وافترس والتهم حتى يحس إلحاح الجوع، بل حتى يحس أن معدته تتنزى في جوفه تنزيا بعد أن اعتصرها شدة التحلب على الطعام!

ولعمري، هل كان هذا كله إلا بفضل جودة الهواء؟ أعود فأستغفر الله! فلقد كان هؤلاء الحكاءون يذكرون الطبيعة؛ بل لقد كانوا يشيدون بفضل الطبيعة، ولكن في العون على سرعة هضم الطعام! يا سبحان الله! وهل ثمة شيء وراء الطعام؟

وبعد، فلقد خرج لنا مما مضى من القول أولا: أن بدعة قضاء جمهرة المصريين الصيف أو فترة من الصيف، إنما كان منجمها شهوة المحاكاة والتقليد، اللذين ما برحا شائعين في خلالنا مع الأسف الشديد مهما عادا بالضر العظيم، وثانيا: شدة الرغبة في الأطراف والأغراب بالتزيد والإفراط في المبالغات إظهارا للاستئثار دون القاعدين، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان! وثالثا: إفراد الطعام وكل ما يتصل بشهوة البطن، واختصاصها بالوصف بين كل ما يرى المرء وما يصيب من السياحة في بلاد الشام، ولو قد جعلوا شطرا من حديثهم لوصف ما حبا الله تلك البلاد من سحر وفتنة، أو لما وثقوا من حبال المودة بيننا وبين جيرتنا الكرام، أو لذكر ما يلقى القوم من عنت ورهق وأذى تحت الحكم التركي في تلك الأيام، لما كان لحديث الحكائين شيء من تلك الفسولة والإبرام!

ولقد رأيت أن حديث الحكائين من رواد الشام قد استغرق المساحة المقسومة للمقال، فلنرجئ حديث رواد اصطنبول إلى وقت آخر، أرجو أن يكون قريبا إن شاء الله.

| الحكاءون (2)

اصطمبول (1)

وترى أنني خالفت الكاتبين إلى رسمها بالصاد لا بالسين، وذلك لأجاري منطق الناس كافة، لثقل النطق بالطاء بعد السين الساكنة، ولقد يكتبونها في بعض الأحيان «اسلامبول»، فإذا نسبوا إليها - في الكتابة لا في النطق - كتبوا «الإسلامبولي» على أنهم إذا تكلموا قالوا: «رأيت سي محمد اصطمبولي»، «وسافر سي حسين اصطمبللي» ... إلخ.

قطوف البشري · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٩٧