تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أنني اليوم متعمد بعض مواقفها التي أرى فيها أشد مواطن العبرة، وخاصة ما يومئ منها إلى ما يجوز بالعالم في هذه الأيام، فلعل فيه قدوة لقوم يتفكرون.

إذن فلا بد من قتله وعلى ذلك اجتمعوا، ولم ينشز منهم على هذا الرأي أحد.

ثلاث عشرة سنة مضت وهو لا يفتأ يوالي إيذاءهم وإضرام الغيظ في صدورهم بتقريعهم وتسفيه أحلامهم، وتهاون دينهم، والزراية على آلهتم، ودعوتهم في غير فتور ولا وناء، إلى الالتفات عما وجدوا عليه آباءهم وآباء آبائهم، مما استولى منهم على مجامع الشعور، وملك عليهم أقطار الفكر، وجرى في الأعراق مجرى الدم، إذ هم قوم غلاظ شداد الطبع، تعميهم الأفقه والحفاظ فلا يهتدون بين يديهما طريقا!

فلما رأوا أن عمه وكافله قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إليه فقالوا: يا فلان إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه وإما أن تخلي بيننا وبينه.

ثم إنهم مشوا إليه مرة أخرى فقالوا له: يا فلان إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.

فلما قالوا له هذه المقالة بعث إلى ابن أخيه فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، الذي كانوا قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.

فظن هو أنه قد بدا لعمه فيه بداء، أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.

1

نعم. لقد طالما آذوه بعد ذلك وأسرفوا في الأذى، وكادوه وأمعنوا في الكيد له، وأذكوا عليه من يسبه، وتارة من يؤذيه في بدنه، ومن يلون للمستضعفين من صحبه العذاب تلوينا، فما زاده كل ذلك إلا إمعانا في الدعوة وإيغالا في التحدي، وشدة الدأب على ما وجه إليهم، وتقريعهم على انصرافهم عنه ونفورهم منه، وعدم أخذهم به وصدهم عن سبيله.

لقد أعجزهم أمره حقا، ولم يغن شيء من ذلك كله في كف دعوته والحد من سعيه، فكيف الحيلة فيه وكيف السبيل إليه؟

إذن لم يبق بد من قتله والخلاص منه، على أن قتله ليس بالأمر اليسير، فللرجل وإن قام بدعوته فردا أهل وعشيرة، وهؤلاء الأهل والعشيرة هم في الجبهة من الأمة لجلالة موضعهم، وشرف أحسابهم وضخامة ماضيهم إلى ما لهم من عز ومنعة، وما فيهم من بأس وقوة، وإذا كانت كثرتهم الكثيرة لم تستجب لدعوته ولم تصغ لدينه، فإن لهم حفاظا، وفيهم عصبية تتعالى بهم عن أن يقتل رجل منهم، مهما يكن سبب قتله ويكن بأس قاتله وهم قيام ينظرون، فهم ولا ريب آخذون بثأره لا يقتل قاتله وحده، بل كل من يقع بين أيديهم من أهله ومعشره الأقربين والأبعدين، وقد يتعصب لهذا القبيل قوم، ويتعصب لهذا القبيل قوم فتكون الفتنة لا يخمد لها ضرام، أو تأتي على اليابسة والخضراء!

فلتشترك جميع عشائر الشعب إذن في قتله واحتمال وتره، فلا يقوى معشره مهما يكن لهم من العزة والبأس على أن يقاتلوا الشعب كله، وكذلك أخرج كل قبيل لقتل البطل فتى من أقوى فتيانه وأشدهم بأسا، وتواعدوا باب داره إذا كان السحر.

ويجيئه الخبر بما ائتمر القوم ولكن من أين جاءه؟ هذا ما لا يعلم به أحد!

ثم يخرج من داره وهم وقوف، ويسرع إلى التواري في دار صاحبه فيفوتهم دركه، ولو قد أرخى زمام إرادته لشجاعته لثبت لهم وقاتلهم ، فقتل منهم على الأقل قبل أن يقتل، فلقد كان أشجع الناس، ومن كان هذا شأنه لا يهاب الموت، ولا يخشى من أي ناحية أصابه، ولكنه يعلم أن له في هذه الحياة مهما لا يقوم به أحد من العالمين.

قطوف البشري · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٩