تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمت هجرته إلى البلد الذي سبقت كثرة أهله إلى اعتناق ما دعا إليه، والذي يعلم أنهم معزوه وناصروه ومؤيدو دعوته، مهما يجشمهم من التضحية بالأنفس والأموال.

ولم يمض أكثر من عشر سنين حتى يرى البطل على رأس جيش لجب لا يدرك الطرف آخره، في طريقه إلى البلد الذي خرج منه ذلك المخرج الرهيب!

وإذا القوم لا يقاتلون، ولا يجمعون نية على النضج عن الوطن، ولا الذياد عن الحريم، بل إنهم ليسلمون ويسألون صفحا كريما من مالك كريم، فسرعان ما يسجح ويعفو، ويهيب بالمغلوبين المقضي عليهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء!»

ولقد عرفت أن هذا البطل الأعظم هو محمد

صلى الله عليه وسلم ، وبجل وعظم، وشرف وكرم، وأما عدوه القاتل لدعوته، الصارف بكل حوله من دينه، فشعب قريش كله، وأنت خبير مما لهذا الشعب من قوة وبأس، ومن أنفة وحفاظ.

وبعد، فإن من ينظر إلى تلك البداية، ثم يثب ذهنه إلى هذه النهاية، ليكاد تتفرق نفسه من الحيرة، وتطير من العجب كل مطير.

ولكنه الصبر! الصبر الذي يغذوه الإيمان بالحق، وما دام الإيمان بالحق قويا، فقد هان لقاء أشد الشدائد ومعاناة أهول الأهوال، ولا تزال هذه الشدائد في قتالها للحق والصبر، تضعف وتتضاءل على الزمن رويدا رويدا، حتى تلقي السلاح وتسلم أمرها لعدوها وأنفها في الرغام!

ومما يسترعي الانتباه أن الكتاب العزيز لم يحض على خلة قدر ما حض على الصبر، فلقد دارت هذه السمة ومشتقاتها فيه أكثر من مائة مرة، وهذه سيرة محمد

صلى الله عليه وسلم ، خير مصداق لما يدعو إليه القرآن العظيم.

وبعد، فليت هؤلاء الذين غصب عليهم حقهم، والذين خرجوا أو أخرجوا ظلما من ديارهم، ليتهم يبنون أنفسهم على الصبر، ويروضونها على شدة الاحتمال في سبيل الحق، ففي حديث الهجرة أصدق الخبر، وفيه أحسن العظات وأبلغ العبر.

| خواطر تلهمها ذكرى الهجرة

ليس ما يضرب فيه القلم اليوم بحثا قامت في الذهن حدوده، وبانت طرقه، واتضحت معالمه، واستشرقت مقدماته لنتائجه، إن هي إلا خواطر تجول بها ذكرى الهجرة الشريفة، هي خواطر تتوالى على النفس كما توالى مناظر الخيالة - السينما - في جريدة الأخبار مثلا، على أنها قد تجيء بحكم تداعي المعاني، وبحكم أضعف المناسبات وأدنى الملابسات.

وبعد، فليس من شك في أن مما يستدعي العجيب، بل مما يكاد يستهلك كل العجب؛ شأن أولئك العرب إلى آخر جاهليتهم، وما صاروا إليه بعد إسلامهم بيسير من الزمان: لقد كانوا في جملتهم قوما أميين جهالا، لم تفتتح عيونهم على علم ولم يتذوقوا فنا، اللهم إلا فن الكلام، وهو غير مغن في قيام الأمم إذا أغنى إلا قليلا.

لقد كانوا جاهلين حقا لا يرتبطهم بأي لون من ألوان الحضارة أي سبب، ولا تنفذ عقولهم إلى شيء مما وراء تلك البوادي التي يسكنون، حتى لو اضطربوا فيما يجاورهم من البلاد التي أخذت بحظ من الحضارة، بحكم التجارة ونحوها، رجعوا إلى قومهم وكأنهم لم يشهدوا شيئا غريبا من شأنه أن يلفت أنظارهم ويحرك أفكارهم، كأنما غلقت الأذهان وغلقت القلوب،

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

1

صدق الله العظيم!

على أنهم لم يسلخوا في الإسلام إلا صدرا يسيرا من الزمن حتى حذقوا علوم من سبقوهم إلى الحضارة وفنونهم، بل سرعان ما أنشئوا هم علوما واستحدثوا فنونا أوفوا بها على حضارة الزمان!

ولا ينبغي في هذا المقام، أن يذهب عن الفكر أن ما نقل العرب من علوم غيرهم وفنونهم قد طبعوه أولا بطابع الفكر العربي، وسووه حتى مرئ في مساغ الذوق العربي أيضا، وهذا فوق ما وسعوا في آفاق هذه العلوم والفنون، واستحدثوا فيها من القضايا التي ذهبت بها إلى أبعد الغايات.

وأنت خبير بأنه إنما يبعث على العجب في أمثال هذه الغرائب، هو غفلة الذهن عن وصل الأسباب بالمسببات، ولهذا قيل: إذا عرف السبب بطل العجب ...

قطوف البشري · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١٠