أما الترفق في النذر والتخفيف في ألوان العقاب، فلقد كان هذا التخفيف يتناول الكم أو الكيف أو يتناولهما جميعا.
قال الله تعالى:
ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون
إلى قوله:
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون .
9
وقال تعالى:
ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى .
10
فأنت ترى أن ما أصاب آل فرعون من الجدب ونقص الثمرات، وما أرسل عليهم من الطوفان والجراد ... إلخ، لم يبلغ من الشدة والروع بعض ما يبلغ العصف والدمدمة والخسف والتدمير، أما إغراق فرعون ومن اتبع بني إسرائيل من جنده فلعصمة الفارين من كيدهم وبطشهم، والأمر لا يعدو هنا وقع الأذى على كل حال، على أن عددهم بالنسبة لجمهرة الكافرين الكائدين جد قليل، وأما المعجزات فحسبك منها معجزات موسى - عليه السلام - إذ ألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفك الساحرون، وإذ ضرب بها الحجر فانبعثت منه اثنتا عشرة عينا، وإذ ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وحسبك منها معجزات عيسى - عليه السلام.
قال تعالى:
ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .
11
الطور الثالث:
وبعد فإن بمعجزات عيسى - عليه السلام - قد ختم هذا الضرب من الخوارق التي تجري على أيدي الرسل، يتحدون بها المخالفين المعاندين، ويثبتون بها أن ما جاءوا به إنما هو من عند الله، وكيف لا وقد أيدهم منها بما يخالف سنن الكون ونير على طبائع الخلق!
أما بعثة محمد
صلى الله عليه وسلم ، ففوق أنها تشارك بعثة عيسى - عليه السلام - في تجردها من الأحداث التي مر بك بعض وصفها، فلا عصف ولا خسف، ولا رياح عاصفة، ولا زلازل مدمدمة، ولا شيء من هذا ولا ما دونه مما يزعج النفوس ويدخل الروع على القلوب، فإن معجزة محمد
صلى الله عليه وسلم
تمتاز بأمرين؛ الأول: أنها لا خلاف فيها لسنن الكون ولا مغايره فيها لطبائع المخلوقات. والثاني: أنها باقية مستمرة لا تنقطع على طول الزمان، وقد عرفت من غير شك أن هذه المعجزة هي «القرآن».
وكذلك جعلت الدعوة الإلهية تتطور وتنمو بتطور الإنسانية ونموها على الأحقاب.
| في الهجرة
بين الحق والقوة
قصة هي أضخم قصص الحياة جميعا؛ لأنها تروي أضخم أحداث التاريخ جميعا؛ على أنها قصة لم يلفقها الخيال، ولم يبتكر لها الأبطال، ولم يخترع لها الوقائع اختراعا، ولم يبتدع لها النتائج ابتداعا، ومع هذا فهي أجمل ما روى أصحاب القصص وأبدع، وأفخم ما حال خيال الروائيين وأروع، هي قصة إذا لم تكن من نسج الخيال، فإن الحقيقة فيها قد سمت على محلق الخيال!
هي شيء لولا أنه وقع لما صدق أحد أنه يقع، ولولا أنه كان لما ارتاب أحد في أنه لا يمكن أن يكون، ولقد جرت حوادث هذه القصة في صدر القرن السابع لميلاد المسيح - عليه السلام - وأما موضوعها فالصراع بين الحق والقوة، وأما مكانها فمكة فبيثرب ثم مكة، وأما أبطالها فمحمد بن عبد الله، وأما أشخاصها فصحبه من ناحية، وقبائل قريش من ناحية أخرى.
هي قصة طويلة جدا، فقد استهلكت حوادثها العتيقة الرائعة نيفا وعشرين سنة، وهي مبسوطة مفصلة في كتب التاريخ وفي كتب السير، وما كنت لأطمع بالضرورة في أن آتي عليها في مثل هذا المقال، على أن في تلخيص الملخصين لها ما دعت المناسبات الغنى والكفاية.