تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن أنس لا أنسى السيد علي الركبي - رحمة الله عليه - وكان قائد الذكر الليثي، أو ضابط الإيقاع في تعبير هذه الأيام، وقد أدركته شيخا تقدمت به السنون مرسل اللحية البيضاء، وقسماته تنبئ عن طيبة قلب، ولطف نفس، فإذا جلس أعلام المنشدين لشأنهم في صدر المجلس، جعل يدير أساليب التنغيم بالذكر تنغيما فنيا يهيئ لأولئك المنشدين أداء مهمتهم على أدق القواعد وأحسن الوجوه، ولقد يصرفهم هو في فنون النغم بتوجيه الذاكرين إلى هذه الناحية أو هذه الناحية، مسرعا مرة ومتمهلا أخرى ضابطا الوحدة بنقرة بخاتمه الفضي على حق سعوطه النحاسي، فكان بحق أكفأ «مايسترو» رأته العيون في هذه البلاد.

والأدب أو التقليد الذي أحصيه لهؤلاء القوم، أنه إذا جلست الجماعة للإنشاد ثم فرغوا مما استفتحوا به مجتمعين، جعل كل منهم يتغنى فردا مستغيثا بالنبي - صلى الله عليه وسلم وآل بيته - تسليمات الله عليهم، ثم عاد إلى التغني ببيت أو بيتين من الغزل الرقيق، والذي أسوق له القول هو أن أول من يبدأ بالإنشاد يجب أن يكون أعلى الحاضرين سنا، ولو كان أنكرهم صوتا ثم يليه من يكبر سائرهم وهكذا، وقد كان يجيء المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي في بعض الأحيان، آخر المتغنين وهو غير مدافع ملك المنشدين!

| فن الحزن

لأول مرة في حياتي أدس قلمي بين قلمين يتحاوران ويتنازعان في قضية من قضايا الدنيا أو الدين، وحين كنت قاضيا لم يكن يحرج صدري بقضية قدر حرجه بقضية يقتحم فيها على المتخاصمين ثالث، فتتشعب به وجوه الخلاف، ويطول أمد النزاع ويجتاز صدرا كبيرا من هم القاضي في البحث والتحري عما إذا كان هذا الخصم الثالث جادا في دعواه، جاريا على عرق من الحق في مطلبه، أو هو متواطئ مع أحد الخصمين ليدفع يده عن بعض حقه، أو ليدفعها عن حقه كله؟ ولقد بان لي بعد امتحاني بمنصب القضاء بزمن يسير أن أكثر قضايا المحاكم الشرعية التي يقتحمها هؤلاء الخصوم هي قائمة على التواطؤ مع أحد الطرفين، كيدا وعنتا وأذى للطرف الآخر بغير حق ولا سبب مشروع! على أن ذلك لا يعفي القاضي من البحث والتحري وشدة التدقيق، فلعل هذا الخصم الثالث جاد ولعله صاحب الحق دون المتنازعين جميعا!

ولقد كان من أثر هذا في نفسي أن أكره إليها الدخول بين متجادلين، ولو في شأن عام ولو في قضايا العلوم والفنون والآداب، فيما يقع عليه الخلاف بين الباحثين والكتاب، ولكني رأيت أن حجتي في هذه المرة واضحة وأن سلطاني في الأمر مبين، بحيث لا يستطيع أحد المتنازعين أن ينكره أو يكابر فيه، ويعتريه بشيء من الشك كثير أو قليل، إذن فمن الإثم أن أسكت وخاصة إذا كان النزاع إنما يتعلق بالشأن العام، وعلى الأخص إذا لم يكن بيني وبين أحد الطرفين نزاع أو خصام!

ولقد كتب صديقي الأستاذ المحقق أحمد أمين في «الثقافة» مقالا ممتعا، يدعو فيه إلى استغلال فن السرور ومما جاء فيه:

مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في الشرق قليلة، كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة، وليست تنقصنا الوسائل فجونا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصايب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب، ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.

أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فن، والسرور كسائر شئون الحياة فن، فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.

وسرعان ما انبرى له صديقي العظيم الدكتور طه حسين «بك»، فأثنى على الفكرة بادي الرأي، ثم راح يشكك في إمكان تحقيقها، ثم ما لبث أن أطلق العنان لمداعباته العذبة الفخمة، التي تسح في الوقت نفسه فنا وأدبا، وجعل يتساءل عن الجماعة التي ينبغي أن تضطلع بتنظيم «فن السرور»، وهل تكون من بين علماء النفس أو من بين علماء الاجتماع؟ وبعد أن دوخ الفكرة بشدة الترجيح بين هاتين الفئتين، انطلق يحيرها بين «جهات الاختصاص»، إذا صدق هذا التعبير الديواني، فإذا هي قد ضلت المسالك جميعا، فلن تجد إلى مثابتها السبيل!

قطوف البشري · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٨٧