تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن آداب تلاوة القرآن الكريم، أو من التقاليد المرعية في ترتيله إذا صح هذا التعبير، أن قارئا له قدر ووزن لا يمكن أن يبدأ ترتيله إلا جاء في نغمة البياتي حتى إذا قضى فيها وقتا طويلا أو قصيرا، ثنى ... فلبث فيها ما شاء أن يلبث، ثم أقبل على غيرها وهكذا، لا يزال ينصب في فنون النغم كلما بدا له أو كلما توسم في إحداها الاستراحة وحدة التطريب، وقد يعود في أثناء القراءة إلى نغمة البياتي فيصيب منها أيضا ما شاء أن يصيب، وكيفما كان الأمر فإنه حين يؤذن الوقت بالانتهاء لا بد له من أن يختم بهذه النغمة، مهما يجشمه التحول إليها من النغم البعيد وكثيرا ما يكون هذا التحول سريعا وداعيا إلى الإعجاب!

فمتقدمو القراء في مصر لا يبدءون قراءتهم إلا من البياتي وبه دائما يختمون، وكذلك تسمع القرآن عن طريق الراديو من المشايخ العظام، محمد رفعت، وعلي محمود، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد الصيفي، وطه الفشني وغيرهم من مشاهير المرتلين.

على أنني لا أدري من أين جاء مصر هذا التقليد، ولا متى كان مهبطه من الزمان القريب أو البعيد! ولعل ذلك يرجع إلى أن هذا البياتي هو نغمة البلد الأصيلة، أو هو من أصل النغم، التي تتقلب فيها حناجر المصريين، ففي الحق أن هذه النغمة فوق سعة آفاقها، وتقبلها لكثرة التصرف والتلوين فإن المصري يجد من الاستراحة إليها والأنس بها ما لا يجد لكثير، أو لعله يرجع إلى هدوء في طبيعتها يلين للحناجر قبل أن تصقل وتجلى، ثم يتلطف لها بعدما نهكها الجهد الشديد.

هذا ما كان وما لا يزال قائما من أدب ترتيل القرآن الكريم عند كبار المرتلين، أما أهازيج السحر التي تتقدم أذان الفجر، وهي أناظيم فيها استغفار وفيها تشفع بالنبي

صلى الله عليه وسلم ، وفيها توسل بآل بيته تسليمات الله عليهم، ويدعوها العامة الأولة فهذه كان لها في القاهرة تقليد جميل.

ولقد تعرف أن القاهرة كانت إلى عهد غير بعيد لا تشغل إلا رقعة ضيقة من الأرض، وكانت المساجد والزوايا تتمتع فيها بنسبة كبيرة من عدد المباني، فأنى اضطربت رفعت لك المساجد الأثرية الجميلة والزوايا اللطيفة المتواضعة التي لا يكاد يخلو منها زقاق من الأزقة أو درب من الدروب.

وقد حدثني الثقات الصادقون من مشيخة القارئين أن جميع مؤذني المساجد في القاهرة كانوا إذا ظهروا المآذن للهتاف بالأولى أو الأولة وقفوا وقد أرهفوا آذانهم، وعلقوا أنفاسهم في انتظار الأمر الذي يصدر اليهم عن مئذنة الشيخ صالح أبي حديد بالنغمة التي يجرون فيها الأهازيج لليلتهم، فإذا جلجل مؤذن الشيخ صالح بنغمة الرصد مثلا، أسرع مؤذن المساجد حوله بالصياح بها، وأخذ أخذهم مجاوروهم ومن تقع للأسماع أصواتهم، وهكذا فلا تمضي دقائق إلا والقاهرة كلها تجلجل بنغمة الرصد، وإذا بدأ بالبياتي، أو بالحجاز، أو بالسيكاه ... إلخ. فهكذا وما شاء الله كان!

وهذا إذا دل من ناحية على القصد إلى ضبط المؤذنين لأصواتهم، وتحكمهم في نبراتهم، وعدم تأثرهم بالأنغام الأخرى وإلا اضطروا إلى الخطأ، ودفعوا برغمهم إلى النشوذ - النشاز - إذا دل هذا على هذا فإنه في الموقف نفسه دليل على أن أهل مصر، أو سكان القاهرة على الأقل كانوا أصحاب فن وأهل ذوق وعشاق تطريب!

وقبل أن أعرض لما أعرف من أدب الإنشاء على الذكر أرى من الخير الكثير أن أنبه إلى أن المنشدين الذين يجرون من الصنعة على عرق، لا يمكن أن يفسحوا في حناجرهم إلا على ذكر السادة الليثية، نسبة إلى الإمام الليث بن سعد المصري - رضي الله عنه - وذلك لأن أهل هذه الطريقة أصحاب فن موسيقي بقدر كبير، ففي طرائقهم بالهتاف باسم الله - تعالى - «لا إله إلا الله! الله الله!» ما يمكن للمنشد المفتن من أن يلقي أهازيجه، موشحة كانت أو دورا أو مقطوعة شعرية أو مواليا غير متعثر ولا متحير، بل لقد يكون ذكر الذاكرين لاسم الله تعالى على أساليب هذه الطريقة، خير يعينه على الإنشاد ويهديه في سبيله السبيل.

قطوف البشري · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٨٦