وأخيرا وأخيرا جدا رأى الدكتور طه حسين «بك» أن يعدل بالحديث إلى ما هو أرفق وأقوم، وأجدى وأنفع، وأيسر كلفة، وآكد تحقيقا قال - حفظه الله:
ومن المحقق أني لم أكد أفرغ من قراءة مقال الأستاذ أحمد أمين وأتخيل الآفاق البعيد التي تمتد أمام اقتراحه أو أمام فكرته، حتى أخذني الحسد ورغبت في ألا يستأثر من دوني بإنشاء فن السرور، وأبيت إلا أن أكون مثله صاحب فكرة خطيرة، وداعيا إلى إنشاء فن خطير فأمليت هذا المقال لأدعو به إلى إنشاء فن الحزن، وأنا أبرع من الأستاذ أحمد أمين وأمهر في التصور، والفن الذي أريد إنشاءه لا يكلف مشقة ولا جهدا، ولا يحتاج إلى تأليف لجان، ولا إلى تحديد اختصاص ولا إلى نشر مقالات، وإنما يحتاج إلى شيء واحد يسير جدا، وهو أن تنظر في الحياة المصرية، ثم تعود إلى نفسك لتفكر فيما رأيت، وأنا ضامن لك بأنك ستجد في هذا النظر وفي هذا التفكير مصادر حزن لا تنقضي وألم لا يزول.
وإذا كان السرور خيرا؛ لأنه يرفه على النفس، ويحبب إليها الناس فقد يكون الحزن خيرا أيضا؛ لأنه يدعو إلى العمل ويدفع إلى محاولة الإصلاح. ا.ه.
وبعد، فلست أعرض لما اقترح الأستاذ أحمد أمين من إنشاء فن السرور، ولا أمتدح الفكرة ولا أهجنها، وعلى ذلك فليس بيني وبينه أي نزاع وقد كفيت المئونة من هذه الناحية والحمد لله بقيت الناحية الأخرى، أعني فكرة الدكتور طه «بك» حسين، وهي التي تدعو أو يدعو هو بها إلى إنشاء فن الحزن فهي التي نكثر عليها الحديث، والله المستعان.
وفي رأيى أن صديقي الدكتور طه قد غلط مرتين لا مرة واحدة، غلط بدعوته أولا إلى إنشاء فن الحزن، وغلط بزعمه ثانيا أن إنشاء هذا الفن لا يكلف مشقة ولا جهدا، ولا يحتاج إلى تأليف لجان ... إلخ.
ولا أدري كيف غاب عن صديقي أن فن الحزن فن قديم ولعله من أقدم الفنون، وما لنا نسافر إلى التاريخ البعيد، فنتقرى الأخبار من نقوش الآثار، وحسبي أن يعلم الدكتور أكثر مما أعلم أن الحزن كان في صدر الإسلام فنا له خطر غير قليل، وأظن أن أحدا لا ينازعني في أن المراد بالحزن في هذا المقام إثارته وإذكاؤه؛ لأن أحدا لا يرتجل الحزن ارتجالا ولا يستحدث الشجن استحداثا.
أعود فأقول: إن الدكتور أعلم مني بأن «الحزن» على هذا المعنى، كان في صدر الإسلام فنا له خطر، والدكتور أعلم مني بأن ابن سريج، وأن الغريض كانا كلاهما نائحين قبل أن يكونا مغنيين، وهما من نعلم جلالة فن وجودة صنعة، وبراعة أداء، وابن سريج والغريض بعد إذا غنيا وذهب لهما في الغناء صيت وذكر، لم يكن أحد منهما ولا من أضرابهما ليخرج من تلحين الأصوات؛ لتنوح بها النائحات في جلى الحادثات.
وهذه كتب الأدب العربي بأخبار النياحات، فلندع إذن هذا الحديث المعاد.
أما مصر فلها في فن الحزن عرق عريق وخاصة في العصر الحديث، ولا يزال هذا الفن قائما إلى الآن، وإن جعل يقبل على الدثور مع الأسف العظيم، ما دمنا نرانا بحاجة إلى إنشاء فنون الأحزان!
لا يزال في مصر إلى الآن الندابات،
1
ولا يزال فيها النائحات أو بالتعبير الشائع المعددات،
2
أعاذنا الله وأعاذ القراء جميعا من الحاجة إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.
أما الندابات فجماعة من النساء يلقين ترانيمهم على نقر الدفوف في قوة وعنف، إذ النساء من أهل الميت يثبن على هذا النقر وثبا، ويوقعن على هذا النبر لا ضربا على أوتار العود بل لطما على الخدود، حتى يفرى أديمها وتهرى لحومها.
وأما النائحات المعددات فلا دفوف في أيديهن ولا يصوتن بالعديد إلا فرادى، وكلما انتهين إلى موقف عج النساء جميعا بالصياح وبكين فاستعبرن، سواء في ذلك أهل الميت ومن لا شأن لهن به من المعزيات، ويظل هذا ثلاثة أيام من وفاة الميت وكل يوم خميس، ثم تختم هذه النياحات بيوم الأربعين.