على أن من واجب الإنصاف أن نقرر أن الرجل لم يكن قائدا عسكريا بريا فحسب، بل لقد كان في بعض الأحيان قائدا بحريا من أمهر أمراء البحر، ولقد أذكر أنه ضمنا به مجلس في قيام الحرب الكبرى الماضية، وجرى ذكرى الغواصات وكيف يعصف «تربيدها» بالسفن عصفا؟ فقال: اسمعوا: لقد كنت أقود ذات يوم طرادا تركيا في الدردنيل، فرمته إحدى غواصات الحلفاء «بتربيد» فنسف وغرق من فيه في الحال، ولم يبق منه إلا أنا ونرجيلتي - الشيشة - يحملنا لوح من الخشب، ولبثنا على هذه الحال اثنتي عشرة ساعة حتى أنقذتنا سفينة عابرة، وكانت الشيشة هي سلوتي في هذه الساعة المهولة!
فقال له خبيث من الحاضرين: ألم تنطفئ الشيشة يا فلان بك في كل هذه المدة؟ فأجاب من فوره، ما أنا كنت بكركر فيها!
ومن أروع عبقرياته التي لا تلحق أبدا والتي تعز على طول الزمان، وتعصى، أننا كنا في بعض الأمسية نسمر في دار قريب له، وكان معه أكبر أولاده، وكان ذلك في أثناء حرب البلقان سنة 1913 على ما أذكر، وجعل الحاضرون يهتفون بفضل رءوف بك قائد الطرادة حميدية، ويشيدون بجرأته ومهارته وفعله الأفاعيل بطرادته، فقال: ألا تعرفون أن رءوفا هذا هو ابني؟ فلم يتداخلنا شك في أنه يعني أنه تلميذه، تخرج عليه في مدرسة البحرية فلعله كان أستاذا فيها أيضا ومن يدري؟ فلما قلنا له في ذلك، قال: بل ابني من صلبي لا تلميذي، فقال ابنه: وكانت سنه تبلغ نحو الثامنة عشرة: وهل سبق لك يا أبي أن تزوجت غير «نينتي»؟ فأجابه في عنف وغضب بل هو ابني من أمك، اخرس بقى واخرج من هنا فتولى الفتى ساكتا مبهوتا؟
وأظن أن هذا أيسر جزاء لمن لا يعرف شقيقه الأكبر!
رحمه الله ومن مات من رصفائه الأجلاء، وبسط في أعمار تلاميذهم من الأحياء، حتى يبلغ الفن على ألسنتهم ما هو مقدور له من القوة والنماء.
| تقاليد الفن في مصر
وكانت مصر إلى عهد قريب حريصة شديدة الحرص على التقاليد، فكانت من هذه الناحية أشبه بإنجلترا، إذا لم يكن أهلها أشد محافظة من الإنجليز.
والتقاليد - ولا ريب - من مشخصات الأمة، وعنصر من عناصر مقوماتها في الحياة، على أننا جعلنا من أعقاب الحرب العظمى إلى الآن نهدمها بأيدينا هدما، وننسفها بكل ما يدخل في طاقتنا نسفا، إما لمجرد المحاكاة والتقليد، وإما لمحض الإغراب والإتيان الجديد، ولو كان هذا الجديد الغريب شمجا مليخا ناشزا على الأوراق!
وليس يتسع هذا المقال بالضرورة للحديث عن جميع تقاليدنا التي كنا نعتنقها إلى ذلك العهد القريب، ولا عن أكثرها فذلك شيء يطول على الإحصاء، ولهذا أجرد مقال اليوم للحديث عن واحد منها، وأعني به الغناء.
وقبل أن أخوض في لجة الموضوع أنبه إلى أن مصر من أكثر الأمم، إن لم تكن أكثرها جميعا تلوينا للتغني والترنيم، فهي تتغنى بقراءة القرآن الكريم، وبالأذان للصلاة وما يتقدم أذان الفجر من أهازيج السحر، وكذلك تتغنى بالمولد النبوي الشريف، وتتغنى بالإنشاد وفي حلق الأذكار وأنت خبير بأن غناءها الرسمي هو التخت، وللعامة الغناء البلدي أو المحلاوي يوقعه موقعوه على صوت المزمار البلدي المتخذ من القصب الفارسي - الغاب.
ولا تنس غناء الصهبة وهذا خاص بجماعات الحشاشين يوقعونه في مقدمات الأعراس، وقد زاد العصر الحاضر على كل هذا المنولوج وما إليه.
أما الموسيقى الآلية فعندنا منها النحاسية المعروفة والطبل البلدي ولا زال معروفا أيضا، والنقارية أو النقرزان، وكانوا ينقرون عليه فوق ظهور الجمال بين يدي موكب العروس، ولا يزالون يضربون به في ذي المحمل الشريف، وقد زادنا للعصر الحديث الموسيقى الوترية - الأركسترا.
وقد تجاوزت ألوانا غير يسيرة من الموسيقى؛ لأن شأنها غير كبير.
وبعد فلست أدعي العلم بتقاليد كل لون من هذه الألوان، ولا بما كان يأخذ به أصحابه أنفسهم، ويلتزمونه ولا يعدونه في كبير من شأنهم ولا صغير، ولكنني أعرف شيئا من آداب بعض هذه الفنون منها ما شهدته بنفسي، ومنها ما أرويه عن الثقات الصادقين، ومن هذا وهذا ما عفى عليه الزمان، ومنها ما لا يزال قائما إلى الآن.