في الحق إن تكليفي هذا دون الناس جميعا عجب من العجب!
وبعد، فإذا كانت «الهلال» إنما تحرص على إيثاري بهذا؛ لأنها تحسب أنني كنت أوثق أصدقاءه به وأقربهم محلا من نفسه، فقد خالفها الظن وأخطأها الحسبان.
عاشرت حافظا وصاحبته ولازمته أكثر من خمس وعشرين سنة متوالية متصلة، حتى مضى إلى فضل الله ورحمته، ومع هذا لا أدري أكان لي أصدق الأصدقاء، أم كان لي أعدى الأعداء؟ ولا أدري من جانبي أيضا أكنت له أصدق الأصدقاء، أم كنت له أعدى الأعداء؟ وهل كان يحبني أشد الحب، ويضمر لي أخلص الود، أو كان يكرهني أشد الكره، ولا ينطوي لي إلا على أبلغ المقت؟ كذلك لا أدري إذا كنت أحبه أشد الحب، ولا أكن له إلا أصدق الود، أو أنني أكرهه أعنف الكره، ولا أنطوي له إلا على أقسى الحقد والبغض؟ أكان يكبرني ويجل موضعي وكنت أكبره وأجل محله، أم كان يزدريني وأزدريه، ويرى ألا فضل لي وأرى ألا خير فيه؟
وترى أنه كان لا يبغي لي إلا النفع والخير، ولا أبغي له إلا النفع والخير، أو أنه كان لا يرجو لي إلا الأذى والضر، ولا أرجو له إلا السوء والشر!
ما زلت - لعمري - بين الأمرين في أحير الحيرة وأضل الضلال!
كنت لا استطيع صبرا على فراق حافظ، وكان حافظ لا يستطيع صبرا على فراقي، ولا أستطيب طعاما شهيا إلا إذا كانت يده مع يدي، ولا تطيب له نزهة مفرجة إلا إذا كانت رجلي مع رجله، وهل مهد لإتيان مجلس غناء أو لهو أو سمر فاستوى فيه، واطمأن إلى موضعه منه، إلا إذا كان صاحبه معه واحتل من المجلس موضعه، لا يحقن أحدنا عن الآخر سرا، ولا يكتمه من مداخل أمره أمرا.
ولقد يدعوني بعض الأمر إلى الشخوص إلى الإسكندرية على أن أبيت فيها ليلة، فيثبط من همتي ويدغدغ من عزمي، ويهون علي من خطب طلبتي، وينطلق يذم الإسكندرية ورطوبة الإسكندرية، وضيق مساحة الإسكندرية، حتى لتلقى من تكره في اليوم الواحد عشرين مرة في الإسكندرية، فإذا أصاب مني العزم والإصرار، زم متاعه ومضى معي إلى الإسكندرية ما يفتر لسانه طول الطريق لحظة واحدة عن لومي وتقريعي، والإبانة عن سوء رأيي وفساد ذوقي، يفعل هذا وهو متجهم الوجه بادي الغيظ! ولقد تدعوه بعض الحاجة إلى سفرة كهذه السفرة، فأفعل معه مثل هذه الفعلة، وسرعان ما أرزم حوائج السفر وأمضي معه متى استيقنت من عزمه وإصراره!
وكيفما كان الأمر فإنني أعود فأقرر أن حافظا - رحمة الله عليه - كان لا يستطيع على فراقي صبرا ولا أستطيع على فراقه صبرا، ومع هذا فإنه ما جمعتنا خلوة إلا جعل يصارحني ببغضه وأباديه بمقته، ويذكرني ما أسلفت من أذاه، وأذكره ما أسلف من الكيد لي، ولا نزال على هذا حتى يبدو ناجذ الفتنة ويهيج هائج الشر، ومع هذا لا توسوس لأينا نفسه بالفرقة وطلب الخلاص من هذا البلاء!
لا أذكر أنه ضمني به مجلس قط سواء كان فيه من نعرف أو من لا نعرف، وكان فيه من نعلي أقدارهم ونجل أخطارهم، أو كان فيه من نتهاون شأنهم، ولا تضمر أنفسنا إلا استحقارهم والزراية عليهم، لا أذكر أنه ضمني به مجلس قط إلا جلا له مداخلي وبذل بين يديه أكره مكارهي، فإذا أعوزته المكاره خلقها خلقا وارتجلها من عفو الخاطر ارتجالا.
ولقد يوغل في الكيد ويمعن في الأذى! فيشرك نفسه معي فيما يرميني به من ألوان التهم، ولو قد صح أكثرها لأفضت بنا كلينا إلى محكمة الجنايات والعياذ بالله، فيقول: لما فعلت أنا وفلان كذا ولما افترقنا كذا وكذا ... وكل هذا ليؤكد على التهمة ويوثق الجريمة، وتراه يضع في هذا الموضع نفسه، ويبلغ منها به ما لا يبلغ أعدى عدوها؛ ليرضي نقمته مني واضطعانه علي ولا أجر الله القائل:
فاقتلوني ومالكا
واقتلوا مالكا معي
انظر يا سيدي كيف يكون غيظي حتى لأكاد أخرج من جلدي، ثم فكر فيما يرمي به لساني منكر القول، مستكره اللفظ نضحا عن نفسي وشفاء لصدري! ثم تدبر بعد هذا ما يعتريني من الألم، وما يلحقني عليه من واخز الندم: ولعنة الله على الغضب وما يفعل الغضب!