وإذا كان هناك فرق بين هذا الذي يطلب الغنى من غير سبيله، وذلك الذي يشتهي أن يجني ثمرات الأدب من غير سبيله، فإن الحظ محتمل لذلك ولو بنسبة 1 / 100000 أما هذا فغير مقدور له حظ أبدا.
لا، لا، يا بني، لا تظن أن المنزلة في الأدب أو في غير الأدب تواتي بمثل هذا اليسر كله، فالأدب يغتضبك مهما تكن قد رزقت الموهبة أن تسهر الليالي في حفظ الروائع التي جاد بها من سبقوك من أئمة البيان، وفي تقليب الذهن في بلاغات من تقدموك من كفأة أصحاب البلاغات، وشدة المطاولة في محاكاتهم، والتشبه بهم في منازع بلاغاتهم، فإذا تهيأ لك أن تستحدث طريفا أو تبتدع في الفن جديدا، فأنت الأديب الموهوب بفضل الله، أما أن تطلب الطفرة وتلتمس النتيجة من غير مقدمات، فالطفرة - لو علمت - محال، لن تكون أكثر من أديب مرتجل، أو بالتعبير العامي أديب شيطاني ما دمت تقنع من السعي بأن تنظم كلاما فارغا مليخا، تلفقه تلفيقا لا براعة فيه من كلمات جمال الطبيعة والأشجار والأزهار والأطيار، والعبير، والغدير، والهدير، والقمر والنجوم، والسحاب والغيوم، فإذا وصلت بسلامة الله إلى «لحف الخلود» فقد أديت «رسالة الأدب» وحق أن يذهب لك صيت وذكر في التاريخ، وما شاء الله كان!
لا، لا يا بني، لا يكفي أن تؤلف، أو على الصحيح أن تلفق من هذه الكلمات، أو منها ومن سواها، كلاما بائخا مليخا، لا طعم له في مساغ النظام ثم تطلع به على مغن حدث أو مغنية حدثة لتصك بترديد أسماع الناس صكا، لا يكفي هذا في ابتغاء الرزق من الأدب والمنزلة في الأدباء.
وسامحني يا بني إذا قلت: إنك وأمثالك من أصحاب هذا الأدب الفج - العجر - لتجنون على أنفسكم أولا، وتجنون ثانيا على الأدب في هذه البلاد وغير هذه البلاد!
وأرجو ألا تصغي إلى أصحابك ولداتك الذين ينصحونك بالثناء نصحا، فيصفونك بالعبقرية ويضيفون منظموتك إلى الخلود، وكذلك يوم أنفك وكذلك يطمعونك في المنزلة بين السماكين، وكذلك تقطع كل سبب بينك وبين مساعي الحياة، إذ كفك صفر وإذا أنت لا تزال هائما في القفر، فأنت إذن «كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»، وصدق رسول الله.
أما أن يصدق هؤلاء الناشئون أنهم قد رزقوا الموهبة جميعا، فلا حاجة لأحد منهم بسعي ولا تحصيل ولا جهد كثير ولا قليل، فليعلموا أن الناس لا يمطرون المواهب بمثل هذه الفداحة الفادحة، وإذا كانت أمثال هذه المواهب مما يباع ويشرى، لما ابتغت لها معرضا أليق من سوق العصر.
هذه - شهد الله - نصيحة صادقة مخلصة يسديها إلى جمهرة الناشئين من الناظمين، من لا يشعر لهم إلا بعطف الوالد على الولد.
فإذا أصروا بعد هذا على أنهم بضربتين من المجذاف «قد دخلوا المالح»، فأمرهم وأمر الأدب إلى الله.
| ذكريات
بيني وبين حافظ إبراهيم
وكنا كندماني جذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل: لن نتصدعا
فلما تفارقنا كأني ومالكا
لطول افتراق لم نبت ليلة معا
وبعد فما أدري ما خير «الهلال» في أن تريدني على الكتابة فيما كان بيني وبين شاعر النيل حافظ بك إبراهيم - عليه رحمة الله؟
لا أدري ما خيرها في هذا، وما الذي يغريها به ويدفعها إليه، وكلما اعتذرت ردت الاعتذار، وكلما حاولت التملص سدت علي المنافذ، وأخذت بين يدي المذاهب، ويا عجبا! ماذا يكون بيني وبين حافظ إلا ما يكون في العادة بين جميع الأصدقاء، أو بين جميع الأعداء!
كنت أصحب حافظا ويصحبني، وكنت ألقاه ويلقاني، وكنت أسمر معه ويسمر معي، على أنني لم أكن وحدي الذي ظفر بهذا الحظ من حافظ إبراهيم، فمن صاحبوه ولازموه كثير ومن غشوا مجالسه، واستمتعوا بملحه وطرائفه أكثر، وحافظ لم يكن متحجبا ولا منقبضا عن الناس، ولا برما بلقائهم وغشيان مجالسهم وفسح مجالسه لهم، والتبسط بألوان الحديث معهم، بل لقد كان فياضا ثرا متدفقا يسمح بطرائفه، كما يسمح بماله وبطعامه ما يضن على أحد بما طالت يده ولا بما يطول لسانه، ففيم إيثاري بالتحدث عنه، وفيم اختصاصي بالقول فيما كان بيني وبينه؟ على أنني ما برحت مقروح الكبد لفقده، ما ترقأ لي عليه دمعة، ولا تبرد لي كلما ذكرته لوعة، فكيف لي مع هذا بالخوض فيما يروق من شأنه، كل ما يعجب وما يسر من حديثه وما يطرب؟