ولقد يتوافق رأيانا في رجل، فنذكره بما نحسب فيه من ثقل الظل، أو شدة البخل، أو الكذب والتزيد، أو التنفج وعرض الدعوى، أو غير ذلك مما يكره الناس أن يذكروا به، فيلقاه في سر مني، ويقول له: «إن فلانا يرميك بكيت وذيت فتعال معي أسمعك بأذنك.» ويواريه في غرفة مجاورة أو يدسه من حيث لا أرى خلف ستار أو تحت سرير، ثم يقبل علي فيستدرجني إلى حديثه، وما عسى أن نكون قد أرسلنا من النكات على خلاله تيك، فإذا بلغ من هذا كل ما أراد سل صاحبنا من حيث كان، فطلع علي مغبر الوجه، متكرش الجبين، محمر الحدق، بارز الناب!
وانظر يا رعاك الله أي جهد يجب أن أبذله وقد يعينني حافظ بإنقاذ الموقف - كما يقولون - وصرف الأمر كله إلى النكتة، حتى يسكن غضب الرجل وينفرج غمه وتطيب نفسه، ويشيع البشر في وجهه، على أنني إذا خرجت من ثائر شره على سلم، واطمأننت منه إلى الأمن، فإني لأقضي بقية نهاري وسواد ليلي قلق النفس مقشعر الجلد مما عسى أن كان يكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن أعجب العجب وإن شئت قلت: «من بركة العجز» أن هذه الحوادث قد انتهى أكثرها، إذا لم يكن قد انتهى جميعها، إلى استيثاق الصلة، وعقد الإلف بيننا وبين هؤلاء الذين كان يغريهم حافظ بي ويثير حفائظهم علي بما يسمعهم من حديثي فيهم، وتناولي لمكارههم، وقد يزداد هذا الإلف على الأيام حتى يصبح صداقة متينة وودا خالصا!
وأغلب الظن في هذا أننا لم نكن نعرفهم حق المعرفة، ولم نخالطهم حتى نقلب عن يقين حقيقة شأنهم فنسرع إلى الحكم عليهم بما نرى من ظواهرهم أو بما نسمع من خصومهم عنهم، حتى إذا عرفناهم وبلوناهم تجلت لنا فضائلهم ومزاياهم، وإذا ما ذهبنا إليه إنما كان أوهاما في أوهام لم نخرج منها وا حسرتاه إلا بالمناكر والآثام! اللهم اغفر لنا خطايانا وتب علينا واعف عنا، إنك أنت التواب الرحيم!
على أن مما يعزينا في هذا الباب أننا ما تناولنا - والحمد لله - عرضا، ولا اتهمنا أحدا في ذمة، ولا رميناه بكبيرة، إنما هي الشهوة إلى التندر على الناس والسلام!
ولقد كان حافظ يعرف مني شدة الخوف مثلا من سرعة السيارات، فيستدرجني إلى إحداهن لنزهة أو لعدة، ولا أركب حتى أستوثق من أن السائق لا يفعل، وإذا هو قد أوصاه، وربما رشاه، فما يكاد الخنزير يبعث عجل السيارة، حتى يجريها في سرعة الكوكب الهاوي، أو البرق الخاطف ما يبالي زحمة الطريق، ولا مواجهة الترام ولا يطامن منه أنه يرقى تلعة، أو يمشي على حافة ترعة أو نحو هذا مما يغلب توقع التلف فيه على توقع السلامة!
وبعد، فأرجو ألا تظن أنني كنت أتمثل مع حافظ على شيء من هذا بالحكمة الرفيقة القائلة: «المسامح كريم»، فإنني ما كنت أجزيه إلا شرا بشر وغيظا بغيظ، وكيدا بكيد! ولعلي كنت أخبر الناس بما يخبث نفسه ويكدر صفوه، ويذكي همه وغمه ويسود نهاره، ويقض الليل مضجعه، فما حرمت شيئا من هذا شهوة الحقد أبدا، والبادي أظلم!
هذا ولا نتفارق؛ لأننا كلينا لا نستطيع على الفراق صبرا.
وإذا أردت أن تعرف بالضبط والتدقيق لون الصلة التي كانت بيني وبين حافظ، فالتمسها فيما كان يصفني به ويردده على الأسماع عني: «فلان ضرر لا بد منه.» وكان ذلك رأيى فيه أيضا - رحمه الله، وألحقني به على الإيمان إن شاء الله.
وأرجو إذا كان في العمر فسحة أن آتي بشيء من التفصيل عن بعض ما كان بيني وبينه من هذا القبيل.
| مهم الأديب في الشرق
أن يكون أديبا شرقيا
ولست أعني بالأديب كل من يجيد سبك الشعر أو يحسن تزويق الكلام، إنما أعني بالأديب الأديب حقا، وذلك الذي استنارت بصيرته، ورهفت حسه، ولطفت مشاعره، وأضحى له من حد النظر في بواطن الأشياء وما ينقطع دونه جهد الأنظار، إنما أعني بالأديب ذلك المفتن الذي يلمح بالنظرة المومضة ما لا أدركه أنا ولا أنت ولا يقع عليه حسي ولا حسك مهما أذكينا من الذهن وشحذنا من الإحساس.