تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل أن أخوض في لجة الموضوع أرى من الخير أن أنقل إلى قراء «الثقافة» صدرا من حديث لمتحدث إذاعة بالراديو في غاية الأسبوع الماضي، كان بعضه يطوف بهذا الموضوع، قال:

لا ريب أن ما نسمع الآن من المقطوعات الغنائية إنما هو من النوع الواطي الرديء، الذي لا قيمة له ولا وزن، ألفاظ سوقية مبتذلة، وتراكيب سقيمة مفككة، ومعان منحطة، وأخيلة ظاهرة التزييف والترفيع، فإذا عدت هذه الأناظيم من الأدب على أي وجه من الوجوه، فهي من الأدب الفسل الوضيع، أو على التعبير العامي الشائع من الأدب «الفلصو» الذي لا محل له بين كرائم الآداب.

وإنني أشك في أن أكثر هؤلاء الناظمين قد أصابو حظا من اللغة، أو جروا على عرق ولو ضئيل من آدابها، إنني أشك في أن أيهم حفظ شيئا من شعر البحتري أو أبي نواس أو أبي تمام، بل إنني لأشك في أن أيهم شق ديوان المتنبي أو أرسل النظر يوما في ديوان ابن المعتز أو في ديوان مسلم بن الوليد، وما أحسب أحدا منهم طالع ولو بنظرة واحدة كتاب البيان والتبيين إذا كان قد سمع باسم الجاحظ، درى بأن لهذا الجاحظ كتابا يدعى «البيان والتبيين».

وما له - لعمري - يقرأ وما له يكد النفس ويعنيها في الحفظ والمراجعة، وما له يستهلك الزمن في تقليب النظر في روائع الآداب، وترشف ألوان البلاغات كما يترشف الماء الزلال ذو الغسلة الصديان؟ ما له يعاني كل هذا أو بعض هذا ولقب الأديب ولقب الشاعر مكفول له من غير كد ولا مطاولة ولا مفارقة جهاد؟ ... إلخ.

وبعد، فلقد يكون في هذا الكلام شيء من القسوة، ولكنه لا يعدو الرغبة في الخير على كل حال، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.»

وكيفما كان الأمر فإن هذا الضرب من الأدب قد انحط في الجملة، بل لقد هوى إلى قرار سحيق، وإن ما تسمع من هذه المقطوعات الغنائية ليشعرك حقا بأن كثرة هؤلاء الناظمين قد ارتجلوا حرفة الأدب ارتجالا، وانتحلوها انتحالا ما عناهم في سبيلها جهد ولا تحصيل، وإن من لا يبذل في سعيه إلا الجهد الرخيص لحقيق بأن لا يظفر إن ظفر إلا بالحظ الرخيص، وليس أدل على هذا من أن الكثرة الكثيرة من هذه المنظومات الغنائية لا يكتب لها العيش إلى اليوم الثاني، ولا أدري كيف لا يكون من هذا وحده لأولئك الناظمين؟

1

ولو قد تفقدنا السبب الحق في تدلي المستوى - في بعض أسبابنا - وأعني مستوى الأدب - على وجه خاص - إلى الحد الذي يضر ويؤذي، لأصبناه في هذا الطائف الذي يطوف بنا في هذه السنين، وهو ضعف العزائم وقلة الصبر وتعجل الثمرات، وابتغاء النتائج من غير تقديم ما يحتم المنطق وتقضي الطبيعة بتقديمه من المقدمات!

هؤلاء ناس يحبون المال ويشتهون الغنى، ولكنهم لا يبتغون المال من وسائله، ولا يطلبون الغنى من طريقه المقسوم من حسن القصد، وموالاة السعي والتخفف مما لا حاجة إليه من النفقات، وموالاة الجمع والتثمير، ولكنهم لا يجدون في أنفسهم الكفاية من الوسائل المقدرة لإصابة الغاية، ولا من قوة الصبر والانتظار ولا من احتمال الجهد في سبيل الجمع والادخار، ولا شيء من هذا الذي يدرك به في العادة الغنى واليسار، إذن فليقامر فلقد يكون إقبال الدنيا في القمار، والقمار - حرسك الله وعصم عليك مالك - وإن قل، سبيل ميسرة لكل إنسان، فمن ثقل عليه أن يستوي إلى إحدى موائده الخضراء لهوان شأنه وضيق يده، فلا يثقل عليه أن يخاطر في حلبة السباق، أليس الجواد «الفلاني» قد أغل الريال عليه مائتي جنيه؟ ومن ثقل عليه أن يؤدي نصاب الرهان على الخيل فليشارك في النصاب، وإلا ففي ورقة اليانصيب متسع للجميع، وفيها المائة والمائتان والخمسمائة والألف والآلاف، وهكذا يجيء الغنى عفوا بلا سعي ولا كد ولا عناء! ثم إذا كف المسكين صفر، سواء في آخر الليل أو في آخر النهار!

قطوف البشري · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٧٧