ويمثل خيال الظل رواية قوامها عشق وصبابة بين فتى مصري صميم، وفتاة بنت راهب مسكنها مع أبيها الدير! ويتخلل هذه الرواية صور استعراضية متنوعة، وكل من يحرك صورة من صور هذه الأناسي يجري الكلام على لسان صاحبها في دقة وبراعة تقليد، حتى كأنها هي التي تتحدث بأسماع الناس، فهناك المغربي، والسوري، والبربري وابن البلد المصري، ومن هؤلاء، ونسمع ما شاء الله من رائع النكت، وقد يكون بعضها من عفو الارتجال.
ولقد كان أفخم خيال للظل هو الذي يديره المعلم حسن قشاش، وكان سيد أصحاب النكتة فيه غير مدافع هو المرحوم ناجي، وقد رآه كثير من أهل هذا الجيل ممثلا بشخصه في الأعراس، أو في دور التمثيل في الفصل المضحك الأخير، أما دور ناجي في خيال الظل، فكان تمثيل الغلام بولس شقيق علم، والترسل بينها وبين صاحبها تعاتير حتى يصل بينهما الزواج، وكان - رحمه الله - يرسل بالنكتة بعد النكتة في خفة روح ولطف إيقاع، حتى يكاد يشق أضلاع النظارة من شدة الضحك المتواصل بغير انقطاع.
وقد ذهب عني أن أقول لك: إن الطبل البلدي كان له مجلس بين يدي الخيال ليعزف في أوقات الاستراحة أو ليرقص على توقيعه من يرقص من أشخاص الخيال.
أما الليلة الثانية فيبعث السمر فيها أبو رابية، وأبو رابية علم على تلك الفرق التي كانت تمثل بأشخاصها في مقدمات ليالي الأعراس، إذ كانت تصف الدكك والكراسي على عذاري الطريق لجلوس النظارة إذ يترك وسطها مسرحا لاضطراب هذه الطائفة من المفلسين، وكانت هذه الفرق تمثل كذلك روايات إذا أسفت مطالبها وسخفت مغازيها، فلقد كانت سرية بما يشيع فيها من بارع النكتة، ولقد كانت الحال تدعو إلى ظهور امرأة في بعض الرواية، على أن امرأة لم تكن تظهر أبدا فكان يتخذ لهذا الدور إما مخناث محترف، وإما رجل يحسن تقليد النساء.
ولا شك أن سيد هؤلاء المفلسين كان المرحوم الحاج أحمد الفار الكبير، والعجيب أن هذا الرجل على خصوبة بديهته، وتدفقه بالنكتة يشق الناس لها ثيابهم من ضحك ومن انبهار لم يكن يبتسم أبدا، بل لقد كان يتكلف الجد إلى حد أنك تراه دائم العبوس.
ومما يحسن في هذا المقام ذكره أن هؤلاء المفلسين كانوا يعتمدون رجلا من صلب أصحاب العرس أو من حواشيهم، ولعل ذلك كان بالاتفاق معهم، فيتخذون منه عامة الليل هدفا للنكتة حتى ما يدعو فيه أديما صحيحا والناس يضحكون، والرجل معهم من الضاحكين.
وحسبنا هذا اليوم، وسنفرد ليوم العرس حديثا خاصا إن شاء الله.
| الأدب الفج
كان من مزايا صديقنا شاعر النيل حافظ بك إبراهيم - عليه رحمة الله - مطاوعة البديهة، وحضور النكتة، يتصرف فيها ويفتن لكل مقام، ما تتعاصى عليه ولا تتعثر على لسانه أبدا.
وكان إلى هذا يحفظ أظرف النوادر وأطرفها وأدعاها للعجب وأبعثها للضحك.
وقد سمعت منه - رحمه الله - النادرة الآتية قال:
قبل أن يوصل ما بين منيل الروضة والقاهرة بالجسور - الكباري - كان الناس يتخذون الفلك - المعدية - في طلبهم العبر من العبر.
وجاء رجل من المدينة ليعبر إلى الروضة من ساحل فم الخليج، وكان الليل قد تقدم فوجد الملاحين يغطان في نوم ثقيل من تحشيش الليل وكد النهار، فما زال بهما حتى بعثهما، ونهض أحدهما إلى موضع المجاذيف، وتولى الثاني الدفة، وأنشأ صاحب المجاذيف يضرب بمجذافيه جبت الماء على أنه ما كاد يفعل مرتين أو ثلاثا حتى تبهر وانقطع نفسه، وانخذلت قواه وأحس شدة جفاف الحلق من أثر الحشيش، فتناول الكوز ولم يكن يعلم أن زميله كان قد أذاب فيه ملحا ليعالج به أذنه، واغترف به من النهر غرفة وأصاب من الماء، فإذا هو ملح أجاج فصاح من فوره بزميله صاحب الدفة: يا ريس عويس! - هو! - إيدك! دخلنا المالح!
ولقد أذكرني هذه الحكاية بعد نسيانها السنين الطوال، شأن أبنائنا من رادة الأدب في هذه الأيام، وحرصهم على الظفر بالشهرة، بل بالبطولة والمجد والخلود بعد علاج منظوم أو منثور في بضعة أشهر أو في بضعة أسابيع، وأخشى أن أقول في بضعة أيام في بعض الأحيان!