وتحل ساعة العقد فلا يكون وكيل العروس إلا أباها أو عمها عند فقده أو أخاها وكلته أو لم توكل، تكلمت أو عقد الحياء لسانها عن الكلام.
وبعد أشهر تقضى في إعداد الجهاز الذي قد يكون موضوع مساومة عنيفة بين أولياء العروسين، يعين يوم العرس أو «ليلة الدخلة» في تعبير النساء!
وتسير «زفة» الجهاز من بيت العروس إلى بيت العريس تتقدمها الموسيقى، ومن ورائها حملة التحف والآنية الثمينة باسطين تحتها أيديهم، فهذا يحمل ديباجة من الحرير موشاة بأسلاك الذهب والفضة، وهذا يحمل طشتا وإبريقا من خالص الفضة، أو من النحاس المموه بالذهب والفضة، وهذا علبة تنكشف عن بضعة أكواب من الفضة، وهذا طاس حمام كذلك، ولقد ترى آخر يحمل بين يديه قبقابا مكفتا بالصدف والفضة!
ثم يلي هؤلاء رتل من «عربات الكارو» لا يدرك الطرف آخره، قد بسط الجهاز عليها بسطا ومط فوقها مطا، فهذه حشية - مرتبة - قد خص بها مركبة وهذه خمس وسائد قد أفرد لها عربة وقائد، وهذا «كنسول» عليه مرآة قد قصرت العربية عليه دون سواه، وهذا نضد - ترابيزة - قد شجر بالزهور، وهذا «دولاب» قدت أبوابه من البلور وهذه لحف مبسوطة وهذه نمارق مبثوثة، وهذه أريكة بين يديها شجاب، وهذان كرسيان قد نشر عليهما ستر باب وهكذا! وهكذا!
ولا تزال هذه العربات تجوز بك وهي في كلاءة الأحراس، حتى يختم الموكب بفضل الله بعربة النحاس وكان في عربتين كفاية، وفي ثلاث فضل ولكن لا تنسى أن للتباهي حكمة، وللتكاثر غرمه وغنمه!
ولقد ترى أن شيئا من هذا لا يزال قائما إلى الآن، ولكنه أضحى مقصورا على الطبقة الدنيا من الأهلين وكيفما كان الأمر، فلعلك لم تنس أنني قلت في الحديث السابق: إنني أحب أن أجلو الصورة كلها قبل أن تحول، أو يلحقها النصول.
وترسل الدعوة لوليمة العرس إلى الأصدقاء والجيران والمحبين، وهي رقعة في حجم الكف تكتب صيغة الدعوى فيها بماء الذهب، وتبدأ عادة ببيتين أو ثلاثة من الشعر وكانوا يدعونها الملحق؛ ولكيلا أشق عليك في إشاعة تخمينك فيما عسى أن يكتب في هذا الملحق، أعرض عليك نموذجا منه:
من دعي فليجب
ليالي الأنس قد طابت ورقت
وطير الصفو غرد بالسرور
وجاد الدهر بالبشرى علينا
وداعي السعد وافى بالحبور
فهيا يا أحبة شرفونا
بأنسكمو ومنوا بالحضور
بمشيئة الله تعالى سيحتفل فلان في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا بتأهيل نجله على كريمة فلان، وذلك بمنزله الكائن بجهة كذا.
فالمرجو التشريف ليتم بكم الأفراح وتزول عنا الأتراح، والحضور الساعة 10 عربي نهارا والعاقبة عندكم في المسرات.
وقبل أن أخوض بك في ليالي العرس، فكثيرا ما كان الاحتفال بالعرس يستغرق ليالي لا يقتصر على ليلة واحدة، قبل أن أخوض بك في هذا، أقرر أن المصريين كانوا دائما أهل كرم وإيثار، فما كانوا قط يستأثرون في أعراسهم ونحوها بأسباب تلذيذهم وتطريبهم، بل لقد كانوا يبسطونها ويبذلونها في الطريق العام، قصدا إلى أن يشركهم فيها كل من شاء من الناس.
ولقد قلت لك: إن الاحتفال بالعرس كثيرا ما كان يستغرق ليالي لا يقتصر على ليلة واحدة، وهذه الليالي كانت في الغالب ثلاثا: اثنتين منها تدعيان بالصمم - بضم ففتح - أما الثالثة وأعني بها الأخيرة فليلة «الزفة» أو ليلة «الدخلة»، ليلة تولم الولائم ويقرب لجمهرة المدعوين شهي المطاعم.
وأولى هذه الليالي تخص بخيال الظل، وهو عبارة عن دكة كبيرة تعلو واجهتها شاشة بيضاء تقرب مساحتها من شاشة السينما الآن، أما جوانبها الأخرى فتحجب بألواح من الخشب يداخل بعضها في بعض، وفيها باب لدخول اللاعبين وخروجهم، وفيها يضيئون مشاعل قوية لتجلو على النظارة ما يعرضون من الصور في وضوح وجلاء.
أما هذه الصور فلأناس، ودواب، وطيور، وأشياء، وتسوى هذه الصور من الجلد ونحوه، تصبغ بمختلف الأصباغ لتحاكي ألوان ما يبدو من الأجسام والثياب.