تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تفرج أيام الكريهة بالصبر

وقول حسان:

إذا ما غضبنا بأسيافنا

جعلنا الجماجم أغمادها

وقول التنوخي شاعر اليتيمة:

في موقف وقف الحمام ولم يزغ

عن ساحتيه وزاغت الأبصار

فقنا تسيل من الدماء على قنا

بطوالهن تقصف الأعمار

ورءوس أبطال تطاير بالظبى

فكأنها تحت الغبار غبار

وقول الشاعر:

إذا ما غضبنا غضبة مضرية

هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

وقول بشار:

كأن مثار النقع فوق رءوسنا

وأسيافنا ليل تهادى كواكبه

ومن أبدع ما وصف به السيف قول البحتري:

يتناول الروح البعيد مناله

عفوا ويفتح في الفضاء المقفل

ماض وإن لم تمضه يد فارس

بطل ومصقول وإن لم يصقل

يغشى الوغى فالترس ليس بجنة

من حدة والدرع ليس بمعقل

مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى

لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل

وقول ابن المعتز:

ولي صارم فيه المنايا كوامن

فما ينتضي إلا لسفك دماء

ترى فوق متنيه الفرند كأنه

بقية غيم رق دون سماء

ومن أبدع ما قيل في الريح قول ابن تمام:

أنهيت أرواحه الأرماح إذا شرعت

فما ترد لريب الدهر عنه يد

كأنها وهي في الأوداج والفة

وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد

من كل أزرق نظار بلا نظر

إلى المقاتل ما في متنه أود

كأنه كان خدن الحب مذ زمن

فليس يعجزه قلب ولا كبد

ومن أروع ما قيل في الحرب، قصيدة أبي تمام التي مطلعها:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف

متونهن جلاء الشك والريب

وهي مشهورة ومنها:

لقد تركت أمير المؤمنين بها

للنار يوما ذليل الصخر والخشب

غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى

يشله وسطها صبح من اللهب

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت

عن لونها أو كأن الشمس لم تغب

ضوء من النار والظلماء عاكفة

وظلمة من دخان في ضحى شحب

فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت

والشمس واجبة من ذا ولم تجب

تصرح الدهر تصريح الغمام لها

عن يوم هيجاء منها طاهر جنب

في الجبن والفرار

ومن أحسن ما ورد في صفة الجبن، والتعيير بالفرار والذعر قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني

فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة لم يقاتل دونهم

ونجا برأس طمرة ولجام

وقال المتنبي:

يرى الجبناء أن الجبن حزم

وتلك خديعة الطبع اللئيم

وقال غيره:

يفر جبان القوم عن عرس نفسه

ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه

وقال آخر:

وضاقت الأرض حتى إن هاربهم

إذا رأى غير شيء ظنه رجلا

وقال جبان يتحدث عن نفسه:

قامت تشجعني هند فقلت لها:

إن الشجاعة مقرون بها العطب

لا والذي منع الأبصار رؤيته

ما يشتهي الموت عندي من له أرب

للحرب قوم أضل الله سعيهم

إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا

وقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدم، فقال:

وقالوا: تقدم، قلت: لست بفاعل

أخاف على فخارتي أن تحطما

فلو كان لي رأسان أتلفت واحدا

ولكن رأس إذا زال أعقما

وقال مثله:

تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها

فكيف أعدو إليها عاري الكفن

وقيل لأعرابي: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي، فكيف أمضي إليه ركضا؟

وقيل لزيد: إن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: إذا رأيت شخصا بالليل فكن للإقدام عليه أولى منه عليك، فقال: أخاف أن يكون قد سمع الحديث قبلي فأقع معه فيما أكره، وإنما الهرب خير.

وقالت عائشة - رضي الله عنها: إن لله خلقا قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأف للجبناء أف للجبناء!

ولقي غلام أعرابيا فارا من القتال فقال له: كيف تفر يا عم من لقاء العدو؟ قال: يا بن أخي، كيف يكونون لي عدوا وما أعرفهم ولا يعرفونني؟

وعير آخر الفرار فقال: لأن يقال: فر لعنه الله، خير من أن يقال: قتل رحمه الله!

وكان أبو حية النميري من أجبن الناس وأكذبهم، وكان له سيف يسميه «لعاب المنية» ليس بينه وبين الخشب فرق، روى بعضهم أن جارا لأبي حية حدثه فقال:

دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا، فأشرقت عليه وقد انتضى سيفه «لعاب المنية» وهو واقف في وسط الدار، وهو يقول: أيها المغتر بنا المجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به مشهورة ضربته لا تخاف نبوته، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إني أدع قيسا إليك لا تقم لها! وما قيس؟ تملأ والله الفضاء لفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله! ما أكثرها وأطيبها! فبينما هو كذلك إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني حربا!

قطوف البشري · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٦٢