صلى الله عليه وسلم : أنا أقتلك إن شاء الله!
فلما رآه يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فاعترضه رجال من المسلمين، فقال رسول الله: هكذا، أي: خلوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة قد أدى منها عن فرسه مرارا، فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمد، وهم يقولون: ألا بأس بك، فقال: لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم! أليس قد قال: أنا أقتلك، والله لو بصق علي لقتلني.
وهلك الخاسر في قفون قريش إلى مكة.
ومن أبلغ ما قال الشعراء في الشجاعة قول العباس بن مرداس السلمي:
أشد على الكتيبة لا أبالي
أحتفي كان فيها أم سواها
وقول المتنبي:
شجاع كأن الحرب عاشقة له
إذا زارها فدته بالخيل والرجل
وقول البحتري:
معشر أمسكت حلومهم الأر
ض وكادت لولاهم أن تميدا
فإذا الجدب جاء كانوا غيوثا
وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
وكأن الإله قال لهم في ال
حرب: كونوا حجارة أو حديدا
وقول آخر:
قوم شراب سيوفهم ورماح
هم في كل معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشر
كل لكل جسيم أمر كاف
يتحننون إلى لقاء عدوهم
كتحنن الآلاف للآلاف
ويباشرون ظبى السيوف بأنفس
أمضى وأقطع من ظبى الأسياف
وقول آخر:
الضاربين بكل أبيض مخذم
والطاعنين مجامع الأضغان
في الجهاد والصبر على الشدائد
ومن أحسن ما قيل في فضل الجهاد والصبر على شدائده، قول النبي
صلى الله عليه وسلم : «الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها.» و«الجنة تحت ظلال السيوف.» و«والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل.»
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يوم صفين، وقد قيل له: أتقاتل أهل الشام الغداة، وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟ فقال: أبالموت تخوفونني؟ فوالله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت علي! بقية السيف أنمى عددا، وقيل له: إن درعك لا ظهر لها، فقال: إذا استمكن عدوي من ظهري فلا يبقى!
وقال خالد بن الوليد عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع إلا فيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء!
وقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب: إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفا، ولكن قعصا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف!
وقيل للمهلب بن أبي صفرة: إنك لتلقي نفسك في المهالك! فقال: إن لم آت الموت مسترسلا أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، وتمثل بقول الحصين بن الحمام:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد
لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وهي قصيدة مشهورة منها:
فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا
ولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلق هاما من كرام أعزة
علينا وهم كانوا أعق وأظلما
وقال جرير:
قل للجبان إذا تأخر سرجه:
هل أنت من شرك المنية ناجي
وقال حبيب بن أبي أوس الطائي:
فأثبت في مستنقع الموت رجله
وقال لها: من تحت أخمصك الحشر
وقد كان فوت الموت سهلا فرده
إليه الحفاظ المرد الخلق الوعر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه
فلم ينصرف إلا وأكفانه الآجر
تردى رداء الموت حمرا فما أتى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
في وصف الحرب
ومن أبلغ ما قيل في وصف الحرب: مشت الفحول مشي الوعول، فلما تصافحت السيوف، فغرت المنايا أفواهها، وقول الشاعر:
كأن الأفق محفوف بنار
وتحت النار آساد تزير
وقول الآخر:
ويوم كأن المصطلين بحره وإن
لم يكن حجر وقوف على حجر
صبرنا له حتى تجلى وإنما