تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الغزل

ومن أجود ما أوصف صور الحرب إلى الشعراء في باب الغزل ما قال المتنبي:

يا بنت معتنق الفوارس في الوغى

لأبوك ثم أبر منك وأرحم!

وقال ابن هانئ الأندلسي:

لفتات لحظك أم سيوف أبيك

وكئوس خمر أم مراشف فيك؟

أجلاد مرهفة وفتك محاجر

لا أنت راحمة ولا أهلوك!

يا بنت ذي البرد الطويل نجاده

أكذا يكون الحكم في ناديك؟

وقال الشاعر:

رمتني وستر الله بيني وبينها

عشية آرام الكناس رميم

رميم التي قالت لجارات بيتها:

ضمنت لكم ألا يزال يهيم

ألا رب يوم لو رمتني رميتها

ولكن عهد بالنضال قديم

وقال عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف؛ لأنها

لمعت كبارق ثغرك المتبسم

هذه نماذج يسيرة جدا جدا إذا أضيفت إلى ما قيل في الحرب وآلاتها وسائر أسبابها، على أنها فيما أرى كافية حق الكفاية في الإبانة عن مبلغ ما أجدت الحروب على الآداب.

وبعد، فلقد قال السابقون في الفوارس المعلمة والخيل المسوقة، والقسي الموتورة، والسهام المنصولة، والقنا الحظية، والسيوف الهندوانية، كما قالوا في خزف المقاليع ورمي المجانيق، وذلك كل ما شهدوا في زمانهم، وأدركوا من آلة حربهم وقتا لهم، ومع هذا فقد أطالوا وأكثروا وأبدعوا فيما خيلوا وصوروا، وانتظموا البديع من الفصيح، وآتوا بالعاجب من الصيغ، فضاعفوا ثروة العربية وأبعدوا آفاقها إلى غاية المدى.

فهل لنا أن ننظر من كتابنا وشعرائنا اليوم مثل هذا، وقد أجد العلم للحرب ما أجد مما لا يكاد يحصيه عد، ما بين مزمزمات في جو السماء، ومدمدمات على متن الغبراء، وغائصات في جوف الماء وسابحات على وجه الدأماء، وقاذفات من اللهب بأمثال الشهب وناضحات بالغاز الخانقة، وراميات بالقنابل الناسفة والحارقة ... إلخ. ما أعد المعلم المجرم ولاكراته من أهوال تشهد العالم أهوال القيامة.

| عبرة العبر

هذه الشمس تطالع العالم بجفنيها من جانب الأفق، وما تلبث أن تسلل منه رويدا رويدا، حتى يستوي إطارها على متنه، وما تزال في خلال ذلك تضاعف ما ترسل على وجه الأرض من خيوطها العسجدية، وكذلك ما تزال تمطل فيها وتبسطها من الشرق إلى الغرب، وهكذا تظل تحبو في مدرجها إلى قبة الفلك، وكلما خطت بالزمن خطوة رأيتها تشتد وتترعرع ويسطع ضوءها، ويحمي وهجها إلى أن تبلغ الندوة وتسوي على أعلى الأوج.

وأنت خبير بأنه ليس بعد الصعود إلا الهبوط، فهذه سنة الله تعالى في كونه، وكذلك تجري سنته على هذا الكائن العظيم، فليس بعجيب أن يدعو الفلكيون هذه اللحظة، أعني لحظة استواء الشمس في أعلى الأوج بالزوال، إذا كان بدء الزوال هو غاية الكمال!

وهذه الشمس تمشي إلى الغرب في منحدرها كذلك رويدا رويدا، كما تتداخلها الشيخوخة فالهرم رويدا رويدا، حتى إذا كان اصفر لونها وبردت السن من جرمها، جعلت تتدلى في قبرها من مغرب الأفق مستمهلة مستأنية، وهكذا تغيب في لحدها غير تاركة من التراث إلا صبابة من الذهب المذاب، سرعان ما تتبخر في حلك الظلام، وقد تترك تراثها الغض على صفحة القمر، يرفد العلم به بعض ليالي الشهر.

تلك سيرة الشمس كل يوم: ميلاد فترعرع ففتوة، فتباب وفراهة وقوة، وكهولة فشيخوخة فهرم، فتدس في النهاية تحت الرجم، وسبحان الحي الذي لا يموت!

على أنها في جميع مراحل حياتها عاملة جادة جاهدة؛ لا تني عن السعي لحظة واحدة، فها هي ذي تستنبت الأرض وتزكي الزرع وتبسق الشجر وتنضج الثمر، وتفتح من أكمامه الزهر، ثم ها هي ذي - في عنفوانها - ما تفتأ تجتذب البخار عذبا سائغا من أجاج البحار،

1

حتى إذا انعقد سحابا سح فأخضل قفرا وأعشب يبابا، وهذه الأنهار الجارية سموتها في أقطار الأرض تبعث أسباب الحياة لكل متهيئ للحياة، وكذلك لا ننسى أنها ما تبرح تعمل عامة النهار في تطهير الأرض، مما يعلق بجسدها من الأخباث والأوضار، فأي عنصر لعمري من حياة هذا العالم يمكن أن يغني عن الشمس؟ ألا إنها لمصدر الحياة جميعا، فحق للعالم أن يقول: إنما الحياة الشمس وإنما الشمس الحياة!

قطوف البشري · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٦٣