تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك كنت من الطبيعة حين هبطت الريف، وامتد بصري في الآفاق وأحاط بي الزرع والماء، وما كدت أسلخ بضع ساعات حتى استشعرت أنسا كأنني كنت في وحشة، ووجدت من الألف ما يجد الآئب من الغربة، وما لي لا أجد هذا وأستشعر هذا، وقد رجعت إلى أصلي ونزعت إلى طبعي، وخلعت عن نفسي كل كلفة، وامتلختها من كل ما غرست من تصنع استكرهت عليه مناهج تلك الحياة، وما أجدر الطبيعة بأن تقهر الصنعة وإن طال بها الزمان!

هذه سماء كبيرة بعيدة الآثار، وهذه أرض مبسوطة تشقها الأنهر والترع، وتنعطف فيها الجعافر والخلجان، وقد لبست حلتها الخضراء فأصبحت نهيا للعيون من حسن وجمال.

ثم هذا الفلاح جاهد في حرث الأرض وفلحها، ولا زال كدأبه معها، ولا زالت كدأبها معه من الزمان القديم: كلما غذاها بالسماد ورواها بالماء، أمدته بالخير ووصلته بالنعماء.

ولعل أول صناعة عالجها الإنسان في هذه الحياة هي استنبات الأرض واستخراج ما تجود به من ألوان الثمرات، وستظل على التحقيق هذه الصناعة قائمة إلى غاية الزمان.

عاش الفلاح للأرض وعاشت الأرض للفلاح، وعاشت كلاهما للخلق أجمعين.

هذا عيش الريف في النهار، فإذا جن عليه الليل نامت الطبيعة ونام معها الإنسان والحيوان، فلا تسمع فيها حسا إلا ما نسمع من نباح كلب أو عواء ذئب، أو نقيق ضفدع، ولقد تسمع في بعض الليل عزيف بندقية يطلقها بعض عسس القرية، أو حراس البيادر - الأجران - أو الزروع إذا أدركت الثمار، فإذا كانت الليالي قمراء، تجاوبت الكروان بالتنغيم والتغريد، وأطالت الأنفاس بالشدو والترديد.

وناهيك بليالي القمر في الريف، هذا وجهه قد تغرد في الأفق جميعه ، تفرد ملك لا يشركه أحد في الحكم والسلطان على أنه مفيض على الأرض ما أعطاه الله من حسن وبهاء، وهذه منحه المتصلة من اللجين المذاب، وقد ديغت بخضره النبات، فخرج من اجتماعهما لون هو سحر في السحر وفتنة في الفتنة، منظر وإن كان يوحي بالشعر لا يتعلق بوصفه الشعر، يضيء النفس ويملأ الصدر ألين الفرح وأرفقه، ويحرك عواطف حلوة لذيذة هادئة، دونها ما ترى في أمتع الأحلام.

يحرك في صدرك ألوانا من العواطف تشعرك بأنك بت أسعد الناس عواطف، وإن كانت جديدة لا عهد لك بها من قبل، سرعان ما يعتريك الشعور من قرارة نفسك، بأن هذا هو الشيء الذي طالما حاولت الاستشراف له، فتحول بينك وبينه ظلمة النفس واختلال أداة الحس، بما جشمتها من كلفة في وسائل الحياة.

فإذا كانت ليالي السرار، فالأفق كله كتلة واحدة من الفحم الحالك السواد، هيهات أن ينفذ فيه النظر، ولو أبى فتر من الأفتار:

ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

1

صدق الله العظيم.

هذا حديث موجز عن الطبيعة ماثلة في ريف مصر، أما الحديث عن الفلاح المصري في هذه الأيام، فمما يردع ويهول: فقر لا يعد له فقر، وبؤس لا يلحقه بؤس، مال غائب، ومطالب لا تبرح حاضرة، ومن أين للمسكين بالمال يواتي به بعض الحاجة أو يدافع المطالب الملحة من كل جانب؟

هذه غلات أرضه مكدسة بين يديه، لا يجد لها في أسواق الأرض منصرفا ولا مفيضا، لقد سجنتها الحرب وأبطل حركتها الكساد العام.

هذا شأن ملاك الأرض ومستأجريها، كبارهم وصغارهم في ذاك بمنزله سواء، فكيف بالأكرة والمتكسبين بكد الأبدان؟

أما أولاد الفلاحين فشخوص وأشباح بالية تغدو وتروح في أسمال بالية، تكشف من الأبدان أكثر مما تستر، وتبدي من اللحوم - أستغفر الله - بل من العظام والجلود أعظم مما تحجب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

وكيفما كانت الحال، فإنك قل أن ترى الفلاح مع كل ذلك ، متسخطا أو مهتاج النفس، بل إنك لتراه راضيا برغم حزنه الشديد!

ولعل مرد هذا الرضا إلى أن آماله كلها مجموعة في أرضه، وأرضه لم تخنه ولم تخلف له موعدا، ولقد أقبلت عليه من فنون الغلات بما تقبل به كل عام، فإذا كان بؤس من أثر حصار أو كساد عام، فذلك ما لا شأن لأرضه به على كل حال، نسأل الله تعالى اللطف بالعباد، فهو القادر على أن يجعل لنا من هذا الضيق مخرجا، ويبدلنا من هذه الشدة فرحا:

قطوف البشري · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٦