فاقرأ «قطوفه» هذه، فسترى في كل فصل من فصولها مرآة مصقولة صافية صادقة أدق الصدق، لا تعكس صورة فرد من الأفراد، وإنما تعكس صورة بيئة من البيئات، أو جماعة من الجماعات، أو لون من ألوان التفكير المصري، أو فن من فنون السيرة المصرية في هذا الطور أو ذاك من أطوار الحياة، فإذا فرغت من قراءة هذه «القطوف» فقد استقرت في نفسك صورة كاملة شاملة دقيقة لحياة مصرية ذهب أكثرها وبقي أقلها، ولحياة مصرية جديدة ناشئة لم يتم تكوينها بعد، ولكن عبد العزيز سبق بذكائه النافذ وملاحظته الدقيقة إلى التنبؤ بحقائقها وبما سيختلف عليها من الأطوار.
وكنت أقدر أن رعاية حرمة الأدب والوفاء بحق الصديق هما اللذان قد دفعاني إلى نشر هذا السفر، فإذا أنا أقرأ ثم لا أشك في أني قد أهديت بنشره طرفة من أقوم الطرف وأشدها إمتاعا إلى المثقفين من قراء العربية عامة وإلى الشباب منهم خاصة، فما أعرف أن كاتبا من الكتاب المعاصرين أتيح له من التوفيق مثل ما أتيح لعبد العزيز في هذه الفصول التي تسجل من حياتنا ما كاد يضيع، وتسجله في أروع لفظ وأبرعه وأجزله وأمثله. وما أشك في أن كثيرا من هذه القطوف لو ترجم إلى بعض اللغات الأوربية لفتن به كثير من أهل الغرب فتونا.
ولو علمت أني أستطيع أن أشير على وزارة المعارف فتسمع مني وتقبل مشورتي لأشرت عليها في أن تجعل كتب عبد العزيز البشري، وهذا الكتاب منها خاصة، بين الكتب التي تدرس في المدارس الثانوية، فما أعرف أقدر منه على تحبيب الأدب العربي إلى الشباب وتزيينه في قلوبهم، وإقناعهم بأن لغتنا الفصيحة القديمة تستطيع أن تؤدي من المعاني والأغراض ما تقتضيه الحياة الحديثة دون أن يمسها من ذلك نصب أو لغوب.
رحم الله عبد العزيز، وهيأ للأدب العربي من يقوم مقامه، ولولا الثقة بالله لقلت كما قال الجحاف في العصر القديم: «وما أراه يفعل»، ولكن قدرة الله وسعت كل شيء، ورحمته وسعت كل إنسان، فليعوض الله من عبد العزيز خيرا، وليسبغ الله على عبد العزيز رحمة ونعمة وثوابا.
طه حسين
ميرولس - يوليو 1947
| أيام في الريف
لقد طال عهدنا بالريف حتى كاد ينكرنا وحتى كدنا ننكره، ولست أزعم أنني ولدت في الريف أو أنني نشأت فيه، على أنني كنت أكثر من انتيابه والعيش فيه كلما تهيأ لي انتيابه والعيش فيه، ولكن الدهر الماكر قد قطع السبب إليه فحرمني غشيانه سنين عددا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وإذا نحن قلنا: الريف؛ قلنا: الطبيعة، أو أدنى الأشياء إلى الطبيعة، والطبيعة، مهما يكن لون حياتنا هي مصدرنا، وهي اللاصقة بخلقنا، وإذا رددنا ساعة إلى نفوسنا، لم نجد غير الطبيعة بين أيدينا وعن الأيمان والشمائل جميعا، ولقد يبعد بنا طول العيش في المدن، ولقد يمعن بنا في شتى السبل حتى ننسى الطبيعة أو نكاد ننساها، ويرجح الظن بأنه قد انحسم بيننا وبينها كل سبب، وانقطعت جميع وشائج الرحم، ولا نزال منها على هذا، ولا تزال منا على ذاك إلى أن نغشى الريف، فإذا السبب موصول، وإذا الرحم ما برحت واشجة، وإذا العطف يعتلج في الصدور، وإذا الحنان يترقرق في النفوس، وإذا لهوات القلوب تتفتح، فلو أمكن لها لحست هذه الطبيعة حسوا.
وهل كان عجبا أن يحس المرء أبلغ الغبطة والأنس، إذا آب إلى أمه الحنانة الرءوم بعد طول النوى؛ مهما يكن قد ضرب في الأرضين وتقلب في شتى الأقطار، وعايش أصناف الخلق، وتوسم مختلف الوجوه، وهفا قلبه إلى من هفا من الناس؟
اللهم إن عيش الطبيعة هو الموصول بفطرنا، واللاصق بطباعنا لأننا - كما قلت - عنها صدرنا ، فإذا أحال المقام في المدن أساليب عيشنا، ولون في فنون حياتنا، وأوال لنا صورا من صور، وأبدل مناهج متعنا بمناهج أخر فإن شيئا من هذا لم يقطع ما بيننا وبين الطبيعة، ولم يخرجنا منها أو ينزعها منا وإنما يشغلنا عنها، فإذا نحن طالعناها لم يزل شأننا على الحالم إذا استيقظ، والغريب إذا آب واستقر به القرار بين الأهل والصحاب!