تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصدقتني الآن في أن كل جو غير جو القاهرة، بل سرة القاهرة، خانق وجدير بالفرار، أو لبس القناعات الواقية على الأقل كما ذكرت؟

والآن، أين الريف الريف يا عالم؟ ومن لنا به؟ وكيف السبيل وا حسرتاه إليه؟

الريف البديع هواؤه، العذب ماؤه، الجميل رواؤه، من لنا به؟ من لنا به؟

أعوذ بالله! لا أنكر وجه القاهرة، وما أخبث مناخها، وأوخم هواءها، كيف كانت حكمة الله الباهرة، وكيف انتقم للريف المسكين من هذه القاهرة؟

| بين الصفارة والريف

مما يجري على ألسنة المصريين في دعاء بعضهم على بعض «روح جتك غارة!» وكنا نحسب أن القدر كان يرد هذا الدعاء أولا فأولا، فلا يحل في موضع الاستجابة أبدا.

وها نحن أولاء نرى الآن أننا في هذا الحسبان كنا جد مخطئين، فإن القدر إنما كان يجمع هذه الدعوات ويحفظها، ولا يرد واحدة منها حتى إذا حل الوقت المقسوم، استجاب دعوة الجميع على الجميع!

كل يوم عواء صفارة ينذر بمقدم الغارة، فعلينا ونحن نجني ثمرات دعائنا بعضنا على بعض أن نثبت ونتجلد ونصبر، فإن الله مع الصابرين.

وفي الحق إن صوت هذه الصفارات كريه جدا، وثقيل على الأسماع جدا، ومضعضع للأعصاب جدا، حتى ليؤثر المرء وقوع الغارة نفسها على هذا النذير في صوته المزعج النكير.

وقد لا يحق لنا أن نطمع في أن تشد الحكومة إلى حناجر هذه الصفارات أوتار عود أو قانون، أو أن تقيم في كل حي فرقة موسيقية، أو أن تطيف بالبلد كلما جاء النذير بمقدم الغارة، كبار المغنيات والمغنيين، يهيبون بنا بأصواتهم العذبة على النبر الحلو والتنغيم البديع، أن احذروا والتمسوا المخابئ واطلبوا النجاة بقدر ما تستطيعون!

ولكن ألا من سبيل إلى التخفيف من هذا النكر ولو بعض الشيء، أو الاستغناء عن هذه الصفارات والتعويض عنها بالكثير ممن نسمع في هذه السنين من مغنيات ومغنين؟

وإذا زعمت أن من هؤلاء من هو أقسى حنجرة وأنكر صوتا، فلا يذهب عنك أن آذاننا قد ألفت هذا الغناء من بضع سنين، ولا شك أن الإلف والاعتياد يلطفان كثيرا من موقع الأهوال الجسام!

بقي أن نراجع أنفسنا في شيء من الصفاء والدعة، وهما موفوران في عامة النهار - والحمد لله - نراجع أنفسنا ونسألها، أمن الحق أن صوت هذه الصفارات كريه بهذا القدر مزعج إلى هذا الحد؟ أم أن اقترانه بتوقع الأحداث المزعجة هو الذي يخلع عليه هذا الوصف، ويحله من الأعصاب في هذا المكان؟

إن شئت الإنصاف في القول، والعدل في الحكم، رأيت لهذا التعليل نصيبا من الحقيقة غير يسير، بدليل أنك لا تجد للصوت المؤذن بانتهاء الغارة من الاستكراه والنبو على الآذان وشدة شك الأعصاب ما تجده في الآذان بمقدم الغارة، إذ الصفارة واحدة والحلق الذي ينطلق منه العواء واحد! إذن فللظروف والملابسات دخل في الأمر كبير، ولو أن الصوت في الحالين نكير نكير نكير.

إذن فلا مفر من الفرار ولا من صفارات الإنذار وطلب السلامة للأعصاب من كل هذه الأوصاب، وأين لعمري يلتمس الفزع والملجأ الحصين إلا في ريف مصر الجميل الأمين؟

وإذا كان أصحاب الأعمال في المدن لا يستطيعون أن يتركوا أعمالهم، فلا أقل من أن ينزح آباؤهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم، فلا تنالهم في الغالب الغارات، ولا تؤذيهم النذر بالغارات، وبعض الشر أهون من بعض.

وكذلك أشخص من أحملهم من الأهل والولد إلى الريف، يتقدمهم ما يحتاجون إليه في عيشهم الجديد من المتاع والعتاد.

ويشاء الله الكريم ألا تضيق صدورهم بالوحدة، ففي مكان قريب أهل وأصهار وأولياء كرام، كما شاء الله - تعالى - ألا يستوحشوا إذا جن الليل عليهم، فالريف ينام من العشاء الأولى، فأنسهم بالراديو يغنيهم ويفاكهم ويحاضرهم ويسامرهم، وينبئهم مختلف الأنباء، فالقرية على دقة جرمها وقلة سكانها تستصبح لحسن الحظ بالكهرباء، يبعثها «وابور» كبير أقامه المجلس القروري هناك، فالحمد لله الذي قرن ما أجرى من القضاء بلطفه، وأردف ما قدر من البلاء بكرمه وعطفه، وصدق المثل العامي القائل: «قبل ما يبلي يدبر!»

قطوف البشري · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٤٩