تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد لي من أن أراهم وأشهد مثواهم، وأشركهم في عيشهم الطريف ولو حينا بعد حين، وأتوكل على الله فأشد الرحال إليهم، لا بل أستقل من القاهرة القطار السريع، وبعد جري غير طويل أنقلب إلى القطار البطيء، وسواء أكنت في هذا أم في هذا، فلقد كان شغل عيني وشغل نفسي طول الطريق هذه السيارات الكبيرة والصغيرة التي تقل المهاجرين من المياسير وغير المياسير، وسيارات النقل الكبيرة تحمل أمتعة النازحين، بل عربات «الكارو» يجرها جواد، وقد يجرها حمار لا يعلم إلا الله مبلغ جهده في هذا السفر الطويل الثقيل!

أما إذا كان هذا الحمار عاشقا قد شفه الوجد وبراه طول القلى والصد، فقد أولاه المبيت في العراء خير ما يسعد العاشق المهجور على بلواه، ويبرد من حرقة جواه بمناجاة النجم الساهر، وشكوى صد الحبيب الغادر، فإذا تعذرت عليه رؤية الحبيب وقد قلى فهو ولا شك رأيته في صفحة البدر إذا تجلى، ولقد يحمل البدر رسالة الوله والشوق إلى الأتان، والبدر خير من يبلغ الرسالة ويؤدي الأمانة.

أليس في هذا بعض الفرجة من ذلك الضيق، والتلطيف من تلذيع سوط السائق طول الطريق؟

وكيفما كانت الحال فلقد يستطيع الشاعر أن يشبه السكة الزراعية بعقد وإن كان متلاحم الحبات، فإنه لم تنظمه يد جوهري صناع، فهذي لؤلؤة صغيرة إلى جانب خزفة كبيرة، وهذي حبة من ذهب تليها أخرى من خشب وسبحان مقسم الحظوظ والأرزاق!

وكيفما كان الأمر، فسرعان ما أحضرني هذا المشهد قول المتنبي - رحمة الله عليه:

وهجان على هجان تواتي

ك عديد الحبوب في الأقواز

صفها السير في العراء فجاءت

فوق مثل الملاء مثل الطراز

حقا، لقد انتفضت القاهرة انتفاضة عنيفة، فتطاير عنها أهلها «تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض» وراحوا يطلبون المثوى ذات اليمين وذات الشمال، ولعل بينهم من لم يتخيروا المأوى، ولعل منهم من لا يعرفون الوجه، وإنما هم يهيمون هيمانا حتى يأذن الله لهم بالمستقر والمقام!

هذه - ولا ريب - حالة جد مؤلمة، وخاصة إذا كان هؤلاء النازحون ممن يجرون بأيديهم غلمانهم، أو يحملون على أكتافهم أطفالهم الصغار، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

على أنه بقليل من التسامح، ويسير من التضحية يمكن إيواء كل هؤلاء الفارين، وإنالتهم المأمن ومعونة المحتاج إلى المعونة منهم، «والناجي يأخذ بيد أخيه».

هذه شدة عامة ينبغي أن تتظاهر على دفعها الأيدي عامة، فمن كان في بيته سعة فلا ضير عليه في أن يودي إليه من لا يجد المأوى، ومن كان في حالة فضل، فلا بأس عليه إذا رزق من فضل ماله بعض من لا يجد إلى القوت سبيلا، وإذا كان عدد هؤلاء كثيرا، فإن عدة سكان القرى واللاجئين من الموسرين أكثر كثيرا.

على أن ترك المعونة للمصادفات والحظوظ ليس من الحكمة في شيء، بل لا بد من الإعداد والتنظيم المحكم، فلا يتعذر المثوى على لاجئ، ولا يسرف الجوع على أحد من المهاجرين.

نعم، إن أهل الريف هذه السنين في بؤس ظاهر وفقر بين، على أنه لن يتكابد أعيانهم ومتوسطي الحال منهم أن يخرجوا لهؤلاء العائذين بالريف ما يمسك الرمق ويعصم الحياة، فإذا بسطت الحكومة ولو يسيرا من المعونة لهم أينما كانوا فقد هان الخطب، وكفيت البلاد الشرور الكبار.

وإذا كان لي ما أقترحه في هذا الباب، فإنني أرى التعجيل بفرض ضريبة على تجار الريف لا يعفى منها كبارهم ولا صغارهم، على أن ما يجيء من ذلك يرصد لتلك المعونة، فتجار الريف أصبحوا يجنون من الربح بفضل النازحين من الموسرين وأنصاف الموسرين، ما لم يكن يدخل منهم في الحسبان!

وبعد، فلقد كنت أحب أن أتحدث عن الريف، وهذين اليومين اللذين قضيتهما في الريف، ولكن لم يبق في مساحة المقال متسع، فلنرجئه إلى مقال آخر إن شاء الله رب العالمين.

| الأفندي

لا أحسب أن كلمة صارت من أعز العز إلى أهون الهوان كما صارت هذه الكلمة في مصطلح الزمان!

قطوف البشري · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٥٠