تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل لا بأس على ساكن القاهرة مثلا إذا قال للفاكهاني الإسكندري بكم الوقة من هذا التفاح، وأرجوك أن تقرأها بكسر الواو، وبإبدال القاف بالهمزة - على نطق أهل القاهرة - لا بأس على ساكن القاهرة إذا وجه إلى الفاكهاني في هذا السؤال، فكان جوابه: «بعشرة جروش». ثم يهبط إسكندري فيسأله: «بكم الوجه»؟ فيكون الجواب: «باربعتاشر جرش» «يعني تعريفه»، يعني سبعة قروش صاغ لا أكثر!

لا بأس بهذا كله، فهو استغلال رقيق محتمل على كل حال!

أما الذي به كل الناس، والذي استحق من الله كل هذا الانتقام البديع اللذيذ، فهو أن ملاك الدور في الرمل ما كادوا يطمئنون إلى أن أحدا من المصريين لا يستطيع قضاء الصيف هذا العام في أوروبا، حتى أعلنوا تأرجهم في الأجر واشتطاطهم في الكراء إلى الحد المرهق المضني، فمن لم يطلب في كراء داره أربعة أضعاف ما كان يقتضيه في الأعوام السابقة، اقتضى ثلاثة أضعاف، أشدهم قناعة وزهدا فمن يرضى بالضعفين والنصف!

سكان القاهرة وغيرهم مضطرون هذا العام إلى اتخاذ المصايف المصرية؛ لأنهم لا يستطيعون تخطيها إلى البلاد الأجنبية، ويا لها من فرصة عظيمة تؤتي الغنى، وتجلب الوقت الوفر العاجل! أليس لنا البحر وشواطئه البديعة؟ أليس الله قد ورثنا نسيمه العليل؟ فما لنا نبذله في غير شيء لهؤلاء الفارين من حر القاهرة وغير القاهرة، وطالبي الاستجمام في هذا الجو المريح بعد العناء والكد في العام الأطول؟ ما لنا لا نقتضيهم عن روحه الموجة وهبة النسمة، ولو عصرناهم عصرا وبعناهم النظرة إلى الأفق شبرا فشبرا؟

هكذا شاءوا وعلى هذا جمعوا النيات والعزائم، وهكذا نسوا دورة الفلك الدوار، ونسوا أنهم يقدرون فتضحك الأقدار!

ولقد علمت أن المصريين جميعا وأعني مياسيرهم ومتوسطي الحال منهم، قد أمسكوا عن الشخوص إلى الإسكندرية هذا العام، نزولا على أمر الحالة الحاضرة ودور الرمل المهيأة للتأجير خزيانة تنظر! بل لقد علمت بعد هذا أن كثرة مالكيها ممن تضطرهم هذه الحالة الحاضرة إلى الهجرة إلى الريف، حيث يؤدون هم أجور السكن كارهين مرغمين!

أرأيت عدلا أحلى من هذا العدل، وانتقاما ألذ من هذا الانتقام؟ (2)

هذا ما كان من أمر الانتقام من بعض الناس، أما ما كان من الانتقام من بعض الأشياء فإليك الحديث: أنت - ولا ريب - تعلم أن القاهرة هي أجمل المدن المصرية، بل من أجمل مدن العالم كافة، ولعلي لم أحسن التعبير عن الواقع تماما، فأي جو غير جو القاهرة خانق يفر منه، وينبغي لبس القناعات الواقية فيه على الأقل؟

وإذا كنت في شك من هذا الكلام، فارجع إلى شأن تسعة وتسعين في المائة، أو تسعمائة وتسعين في الألف من موظفي الحكومة في الأقاليم نجدهم يصلون الليل بالنهار جادين جاهدين في التماس النقل إلى القاهرة، فمن لم يسع له أبوه عند كبار الحكام سعت له أمه عند نسائها، وهذه أم فلان تبكي حتى تستعبر بين يدي زوج الحاكم أو بنته أو أخته، فيرد عليها غربة ولدها المسكين الذي لا طاقة له بالغربة، فلم يألفها في حياته ولم يعرفها.

ولا تجد أحدا منا - نحن الموظفين - يعدم الحجة على طلب النقل إلى القاهرة، فمن ليس له أولاد في المدارس، فإن له - بحمد الله - أبا في «الاسبتالية»، ومن ليس له أم ضربها الفالج فإن له إخوة تربى على العشرة ... وهكذا!

وأما النقل من القاهرة فمصيبة دونها عندنا - نحن الموظفين - جدع الأنف وفقء العين، وصلم الأذن، وقطع اليد اليمنى التي نأكل بها ونشرب ونكتب، ونتناول بها أهم الأسباب، ونبسطهم لمصافحة الأهل والصحاب! ...

وصدقني إذا قلت لك: إن هذه الغربة تبتدئ عندنا نحن معشر المصريين من قليوب إلى الإسكندرية شمالا، ومن الجيزة إلى الدر جنوبا، كلها غربة تستدعي الحسرة، وتثير الزفرة، وتبعث العبرة، بل لا أكتمك إذا قلت لك: إن بعض من نقلوا من الأرياف إلى شبرا مثلا استأنفوا السعي لينقلوا إلى دائرة قسم عابدين ...

قطوف البشري · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٤٨