أحبهم لأنهم أول من يعينني في ضعفي، ويسرع إلى الاستجابة لي في شدتي، ويرفه عني في شيخوختي، ويواسيني في علتي، ويتلقى في العزاء إذا هم القضاء بين الزفرة والبكاء.
أحبهم لأن اسمي من يوم أموت لا يرد على خاطر أحدهم، أو يجري بسمعه على أي لسان، إلا بادر فسأل الله لي الرحمة وإسكاني أعلى الجنان.
وولد لي ولد وكان عندنا بواب أربت سنه على المائة، فلما لقينى وقد انتهى إليه الخبر كانت دعوته لي: «الله يبقيه حتى يحل عقدة كفنك!» ووالله ما دعي لي بدعوة كانت أبرد على كبدي، ولا أحلى موقعا في نفسي من هذه الدعوة، ويا ليتها قد أجيبت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
ولقد قال بعض السابقين: إن القرآن الكريم على كثرة ما أوصى الولد بالوالدين، وأمره بشدة البر بهما والعطف عليهما والطاعة لهما، لم يوص الوالد بشيء من هذا للولد ولا مرة واحدة، وذلك بأن الوالد غير محتاج إلى الوصية أبدا، فالإنسان يحب ولده كما يحب نفسه، بل لقد يؤثره في أكثر الأحيان على نفسه.
قال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى - رضي الله عنهم: إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصني بك.
الوالد يسعى في الحياة ويجهد ويكد؛ ليستريح الولد ويسعد وينعم، وإذا ألمت بالولد وعكة، استحالت في قلب الوالد علة. وإذا ضربته العلة مات أبوه كل يوم عشرين موتة، ضارعا إلى الله في صدق وإخلاص أن يحول ما بولده إليه إذا لم يكن من الفدية مناص!
ولقد أرى الصغير صحيحا معافى، ما به أثر لجهد أو وعك، ولكن نفسي لا تستريح إلا إذا أكثرت من حبه وعد نبضات عرقه، ولقد يخرج إلى الطريق لبعض شأنه، فيمثل لي الشيطان اللئيم مكروها أصابه، فأحس قلبي يتمشى في صدري.
وأخيرا، فإننا معشر الناس مهما تصف نفوسنا، وتطب قلوبنا ونترك من خلة الأثرة فينا، ونرض أخلاقنا على وصاة الدين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، إننا مهما نبلغ هذه المنزلة الرفيعة من الفضائل، لا نستطيع أن نحب لغيرنا أكثر مما نحب لأنفسنا، اللهم إلا أن يكون الولد، ومما يحسن أن يذكر في هذا المقام أنه مما جاء في القرآن الكريم ترغيبا في الإيمان وتحبيبا فيه إلى القلوب قول الله - جل مجده:
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم
1
من عملهم من شيء .
2
وقال تعالى ذكره في الحض على التقوى والتخويف من معصية الله، والتحذير من مجانبة العدل والصواب:
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا .
3
وقد رأيت كيف أن الله تعالى في الآيتين الكريمتين قد رغب بمحبة الولد وأرهب، وبغض بالخوف عليهم وحبب.
وروي أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: «ريح الولد من ريح الجنة.» وقال لأحد ابني بنته: «إنكم لتجبنون، وإنكم لتبخلون، وإنكم لمن ريحان الله.» وورد أنه حين جاءته البشرى بمولد فاطمة - رضي الله عنهما - قال: «ريحانة أشمها ورزقها على الله.»
ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: «من هذه؟» فقال: «هذه تفاحة القلب.»
وقيل لبعضهم: «أي ولديك أحب إليك؟» فقال: «هما مني بمنزلة السمع والبصر!»
وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، فلامه الناس فيه فقال:
يديرونني عن سالم وأديرهم
وجلدة بين العين والأنف سالم
ومن أحسن ما قال الشعراء في حب الولد قول أعرابي وهو يرقص ولده:
أحبه حب الشحيح ماله
قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بداله
وقول أعرابية:
يا حبذا ريح الولد
ريح الخزامى بالبلد
4
وقول أعشى سليم:
نفسي فداؤك من وافد
إذا ما البيوت لبسن الجديدا
كفيت الذي كنت أرجى له
فصرت أبا لي وصرت الوليدا
وهذه الأبيات المنسوبة إلى حطان بن المعلى:
لولا بنيات كزغب القطا
5
حططن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع