تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

وقول بعضهم:

لقد زاد الحياة إلي حبا

بناتي إنهن من الضعاف

مخافة أن يرين البؤس بعدي

وأن يشربن رنقا

6

بعد صاف

وأن يعرين إن كسي الجواري

فتنبو العين عن كرم عجاف

7

وأخيرا قول أعرابي يرثي ابنته:

يا شقة النفس إن النفس والهة

حرى عليك ودمع العين منسجم

قد كنت أخشى عليها أن تقدمني

إلى الحمام فيبدي وجهها العدم

8

فالآن نمت فلا هم يؤرقني

تهدا العيون إذا ما أودت الحرم

وبعد، فهذا ما يملك قلبي من الترجمة عن بعض حب الولد، وإن مما يتدسى من العواطف في أطواء الجنان ما لا يستطيع أن يبلغه القلم أو اللسان، وذلك غير ما استعنت به من أقوال صدر من أعلام البيان، وعلى رأسهم سيد الأنام - عليه الصلاة والسلام.

أكرههم

نعم! وأكرههم بقدر ما أحبهم؛ أكرههم لأنهم لو لم يكونوا ما جهدت هذا الجهد في السعي عليهم، ولا تعنيت هذا العناء في تربيتهم والترفيه عنهم، بلى لبقي لي فضل أتمتع به في الحياة وأنعم.

أكرههم لأنهم لا يجزون من العطف علي والرقة لي، ولو بنسبة واحد في المائة من عطفي عليهم ورقتي لهم.

أكرههم لأنني إن استنظرتهم لم يصبروا، وإذا واتيتهم لم يشكروا.

أكرههم لأنهم قد يدفعونني إلى سوء الخلق والتحيف من المروءة، وحسبي في هذا قول النبي

صلى الله عليه وسلم : «إن الولد مبخلة مجبنة.»

أكرههم لما يحز من الآلام في قلبي كلما شكا أحدهم أو ألمت به علة، فكيف بما هو أكثر من ذلك مما يطير اللب، ويخلع شعب القلب، والعياذ بالله!

أكرههم لكثرة ما ألهب الذهن بطول التفكير في حاضرهم، وما يفري القلب من الإشفاق عليهم في مستقبلهم.

أكرههم لأنهم كثيرا ما يتعذرون على نصحي، ويخالفونني إلى بعض ما أنهاهم عنه مما يؤذيهم ولا يجديهم، ويضرهم ولا ينفعهم، ويبادونني بالغيظ والحقد إذا قمت لتأديبهم وبسط العقوبة الحق عليهم.

وبعد، فأرجو إذا حققت النظر فيما قلت أن تستيقن أنني لا أكره ولدي كل هذا الكره؛ إلا لأنني أحبهم كل هذا الحب.

| الشحاذون المودرن

قيل - والعهدة على الراوي: إن مركبا اشتدت به الريح في يوم عاصف، فجعلت تتقاذفه الأمواج، وهو يتمايل ذات اليمين وذات الشمال، ويغترف من ماء اللج ما يثقله، حتى لم يشك السفر في أنه لا محالة غارق بهم، فراحوا يعجون بالدعاء إلى الله تعالى، ويسألونه النجاة من هذا الهلاك، وكان أشدهم اجتهادا في الدعاء والضراعة والابتهال رجل يقول في ابتهاله: يا رب، ماذا عسى لو هلكت أن يكون مصير زوجتي وأولادي السبعة، وليس فيهم من يتكسب، ولا من بلغ سن التكسب؟ ثم ماذا عسى أن يكون مصير أختي المطلقة وولديها الصغيرين؟ ثم من ذا الذي يعول أختي الأرملة وأولادها الأربعة وأنا أحمل الجميع؛ لأنه ليس فيهم من يستطيع أن يعود على الشمل ولو بدرهم واحد؟

أنا لا تعنيني الحياة، ولكن كيف الحيلة بعد موتي في كل هؤلاء؟

وما برح يرفع الصوت بهذه الضراعات حتى كاد يشغل سائر السفر بشأنه عن شأنهم، وحتى كادت تذوب كبودهم من الرقة لحال عياله، وسائر من يعول من آله، ويشاء الله أن تهدأ الريح ويسكن الموج، ويسكن وجه الماء وتبلغ السفينة الشاطئ بسلام.

وما كادت قدم هذا الرجل تطأ الأرض حتى صاح: «والله العظيم، ما كانت لي قط زوجة ولا ولد، ولا لي أخت أرملة ولا مطلقة، وما علت أحدا في الحياة غير نفسي»، وخيبة الله على الجاهل الأحمق المأفون!

ولقد سبق لي من بضع سنين أن أجريت كلاما في الراديو في الشحاذين التقليديين، واستنظرت السامعين الحديث في الشحاذين المحدثين - المودرن.

وإذا كانت عدة هؤلاء تزداد في هذه الأيام بنسبة هائلة، وأساليبهم في الكذبة تتنوع وتتلون، فقد حق علينا أن نلم بحديثهم في مقال.

على أننا قبل أن ندخل في هذا، نرى من الخير أيضا أن نطوف ببعض القول في الشحاذين التقليديين، وقد كادوا ينقرضون ويخلو وجه المدن الكبيرة منهم، حتى يخلو على الناشئ على وجه خاص صورتين واضحتين للعهدين، يستطيع بهما المقارنة بين الفنين: القديم والحديث، وليقدروا مبلغ التطور العظيم في أسلوب الشحاذة، هذا التطور الذي أصبح يكافئ بحق سائر نهضاتنا العظام!

قطوف البشري · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١١٠