على أنني شككت في أن يكون هذا النظر الشارد كان يفضي إلى صاحبه بموضع العقرب من الساعات بل الدقائق، وأذن الله وانطلقت بنا السيارة بفضل بعض الحيل الميكانيكية التي أحمد الله على أنني لا أعرف فيها شيئا!
سيداتي، سادتي
إلى تلك الساعة، كنت أعتقد أن الدكتور علي «باشا» إبراهيم ذاهب ليشرف على شأن الامتحان في كلية الطب، ويتفقد النظام، حتى أقنعني ذلك الموقف بأنه إنما كان ذاهبا لأداء الامتحان، وأن أخشى ما كان يخشاه أن يفوته الميعاد المقسوم لحضور الطلاب، فلا يؤذن له بالدخول فتفوت عليه سنة كاملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وانحدرنا إلى شارع الهرم حيث سيارات الأجرة لا يحصيها العدد، ولا يقوى عليها العداد، ولكن الكيادة التي أبت كذلك إلا أن تحرن في جوف الصحراء، أبت كذلك إلا أن تجمح في الطريق العامر المأهول حتى كاد السائق لا يستطيع لعنانها ضبطا!
إذن لقد ضمن صاحبنا أن يصل إلى طلبته في الميعاد بل قبل الميعاد، ولكن لقد غشي الجميع وجوم شديد، وثنوا رقابهم حتى توسدت الذقون الصدور!
وهنا لاح لخاطري شبح مرعب مهول: فصاحبي قادم على امتحان شاق عسير وكيف له بحسن الإجابة وهو على هذه الحال من ضيق الصدر، وتكدر النفس وتفرق الفكر؟ وبأي وجه تلقى مصر الأمم إذا رسب - لا قدر الله - علي «باشا» إبراهيم في الامتحان، وعلى الخصوص إذا لم يكن له ملحق يتعوض به ما فات؟
إذن فلا بد لهذه الحال من إسعاف، أو من إنقاذ الموقف كما يقولون!
ويعينني الله على أن أرفع رأسي، وأنادي بقوة لم تعهد لمثلي: يا «باشا»، فرفع رأسه ورفع ولداه رأسيهما وقال في فتور: ماذا؟ فقلت له في حدة المغيظ المحنق: أؤكد لك أنني لا أعود إلى ركوب سيارتك هذه إلا إذا جئتني بشهادة حسن السير ... والسلوك!
وسرى عنه، وطابت نفسه، وجعل يضحك أو يتضاحك إلى أن افترقنا ...
ولا أدري إذا كان نجح في ذلك الامتحان أو لم ينجح، على أن مما يطمئنني على نجاح صديقي أنني أرى جمهرة الأطباء العظام، وعصارة أهل الفضل وأرباب الأخطار في البلاد يحتفلون اليوم ببلوغه الستين.
ومما يزيدني اطمئنانا أن الاحتفال معقود في صميم الجامعة المصرية لا بجوار كشك الموسيقى بحديقة الأزبكية!
سيداتي، سادتي
إن الله الذي حبا مصر بهذا النيل، ووهبها هذا الجو الصافي الجميل، وأطلع شمسها على الدوام آلقة وضية، وجعل أرضها على طول الزمان، منجبة سخية، لقد حباها كذلك بالدكتور علي إبراهيم.
وإذا كان الدكتور علي «باشا» إبراهيم إنسانا كسائر الناس، فإنه إنسان مخلد خلود هذه النعم الظاهرة، فهو مخلد في آثاره مخلد في بنيه وتلاميذه، ثم في أبنائهم وتلاميذهم، وهكذا إن شاء الله إلى يوم الدين، وتبارك الله أحسن الخالقين!
1
| أحب أولادي وأكرههم
أحبهم
تدعوني «الهلال» إلى أن أنشئ في هذا الموضوع مقالا، كأن لي في أمر الولد شأنا غير شأن الآباء جميعا، إذ شأني فيه شأن الناس جميعا، اللهم إلا أن تكون قد تفضلت فنصبتني نائبا عن كل والد في الأرض، من يوم كان الإنسان إلى يوم يخلو وجه الأرض من هذا الإنسان!
إذا كان الأمر هكذا، فإنني باسم من تشرفت بالنيابة عنهم أقول: إنني أحب أولادي أشد الحب، وأعطف عليهم أبلغ العطف، وأجد لهم من الرقة والرحمة والحنان ما لا أجد لأحد في العالمين؛ أحبهم لأنني أحب نفسي وهم بعض نفسي، بل إنهم عندي لخير ما في نفسي، هم عصارة قلبي وحشاشة نفسي وكبدي، وأجمل ما يترقرق في صدري من منى وآمال، وأبهج ما يطوف برأسي من حلم وخيال، وقد تجسد كل أولئك أناسي تغدو على الأرض وتروح!
وإنني لأرى أولادي إذا حضروا، وأذكرهم إذا غابوا فأجد من اللذة والسعادة والمتاع، ما لا تعد له كل ما في هذه الدنيا من لذة وسعادة ومتاع!
أحبهم لأنني أحب نفسي وأتمنى لو يكتب لها الخلود في هذه الدنيا، وإذا كان الموت حقيقة لا مناص منها أبدا، فأولادي هم واصلو حياتي، ومطيلو أجلي ومادو ذكري والمثبتون على الزمان لاسمي.