ولا ريب في أن ممن ظلموا بهذه الأثرة ظلما بينا أصحاب البداءة من أولاد النكتة النافذة، فما كان ينبغي أن يحرموا كذلك الاشتراك في تكريم هذا الأستاذ العظيم!
وكيفما كان الأمر، فإنه إذا كان حضرات الأطباء قد أبوا إلا حبا للذات، واستئثارا بالدعوة إلى إقامة هذا الاحتفال، فإن الأعياد السبعينية والثمانينية وما يليها قادمة إن شاء الله، وحينئذ تستطيع هذه الطوائف المحرومة المظلومة أن ترد لحضراتهم الجميل!
وبعد، فلا ريب في أن من ترامت إلى علمه عبقريات الدكتور علي إبراهيم، وآثاره الضخام في الجراحة على وجه خاص، ولم يكن قد رأى شخصه أو طالع اسمه، لا يمكن أن يتصوره إلا عملاقا ضخم الجسم فارع الطول، لا يحيط النظر بمساحته جملة، ولكنه إنما يدركه بالتقسيط، ولكن الله قادر على كل شيء، قد أودع كل هذه الصروح الشمخرة من العبقريات في هذا الجسم اللطيف الدقيق.
وليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
وما شاء الله كان!
سيداتي، سادتي
لا تنتظروا مني أن أبسط القول في مواهب الدكتور علي «باشا» إبراهيم، فقد كفاني المئونة في هذا حضرات الخطباء والشعراء الكرام، ولكنني أذكر حادثة واحدة تدل على مبلغ دقة هذا الرجل العظيم، وحرصه الغريب على أداء الواجب على وجهه، دون أن يفته منه مقدار خردلة واحدة.
ذلكم بأننا من بضع سنين كنا في الإسكندرية، وفي ذات عشية تواعدنا على اللقاء في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي لنسافر معا إلى القاهرة على طريق الصحراء؛ ليدرك امتحان كلية الطب وفي الوقت متسع كبير.
وسرنا على اسم الله في سيارته طبعا، وفي صحبتنا نجلاه الدكتوران العزيزان، وهنا لا أحد من إيراد هامش يسير من هوامش هذه الرحلة. وذلك أنه اعترضنا في جهة الدخيلة منعرج كان يعالج بالرصف؛ لأن أرضه قد هشت وأعلن مجتازوه بوجوب تخفف السيارات من راكبيها، إلا أن يكون واحدا مثلا حتى لا تسيخ عجلاتها في الرمال، ونظر بعضنا إلى بعض وتهيأنا للنزول، ولكن الأسطى عبده كان على ما يظهر قد سبق إلى زنة الحمل، فمضى قدما ولم يرعنا إلى أن يجوز بنا الرمل، ولم تكد العجلات ترسم فيها أثرا!
ولقد حمد الله على أنني كنت معهم ولولا هذا لاستحالت السيارة بالونا، وطلبوا القاهرة بطريق الجو الذي يفزع الدكتور من ذكر اسمه، كما أن لي الشرف بأن أشاطره الفزع من هذا الاسم الكريم!
بلغنا بسلامة الله محطة شل، فأفطرنا وأخذنا قسطا من الراحة، ثم استأنفنا السير واندفعت السيارة في طريقها، حتى إذا صرنا على نحو ثلاثين كيلومترا من مينا هاوس فوجئنا بما لم يدخل قط في الحسبان، فلقد وقفت السيارة فجأة، وأومأ الأسطى عبده إلى دخان يتنفس به خزان الماء دليلا على أن المروحة قد تعطلت، فجعل الماء يغلي فيه غليانا وتدلى فكشف الغطاء، فإذا السير قد انقطع فشمر للعلاج بوصله وسرعان ما استحال الدكتوران حسن وعلي، ممرضين يسعفان الدكتور عبده بمطالبه في إجراء هذه العملية، هذا يناوله المخراز وهذا يثقف له السلك المثنى، ثم واصلت السيارة سيرها حتى إذا قطعت كيلومترا أو بعضه توقفت ثانيا، فوصلوا السير من جديد ثم مضينا بضع مئات من الأمتار، ثم توقفت إذ لم يبق في السير فضل لوصل ولا التئام، فجاءوا بحبل من تلك الحبال التي شدت بها سلال الفاكهة وأقاموه مقام السير، ولكن لم تمض السيارة طويلا حتى استرخى الحبل وفتر عن إدارة المروحة، وتدلينا كلنا أيضا لمعالجة الأرض والتماس الحيل.
وقف الدكتور ووقفت بجانبه، وإذا كان لي أن ألاحظ في هذه الوقفة شيئا، فذلكم أنني على طول عشرتي للدكتور علي «باشا» إبراهيم، فإنني لم أره قط في حالة عصبية كالحال التي كان فيها ذلك اليوم، بل إنني لم أكد أراه في حالة عصبية مطلقا.
ساكت لا ينبس بكلمة واحدة، وإن كانت شفتاه دائمتي الاختلاج إذ يده لا تفتأ تخرج الاسعة من جيبه ثم تسرع إلى ردها إليه، ثم تخرجها ثم تدسها وكذلك ظلت هذه الحركة الميكانيكية السريعة بغير توقف ولا لبث ولا فتور.