وإذا كان هذا شأن من لم تصب منهم أقلام المويلحيين، فاحكم أنت - عصمنا الله وإياك - كيف كانت حال من تنال منهم هذه الأقلام؟ على أنه مما ينبغي أن يذكر هنا، أن «المصباح» لم يكن يعرض قط لأعراض من يتولاهم بالنقد، ولا يتدسس إلى مكارههم، أو يتتبع عوراتهم، بل لا يتناول من أمورهم إلا ما كانوا يعرضونه هم من ذات أنفسهم، أو ما يدلون هم عليه بآثارهم وظاهر أعمالهم؛ فلقد كان «المصباح» أجل من ذاك موضعا، وآنف كرامة.
وإنه ليستحدث لونا طريفا من النقد لا عهد لأدب مصر به، بل لا عهد به للأمم العربية جمعاء، وهذا النوع من النقد يقوم في الجملة على التماس الجانب الضعيف في أثر الرجل، فيعرضه بالقلم في صورة «كاريكاتورية» يزيد في تشويهها ما يتوافى لذلك الذهن الدقيق من ألوان التشبيه، وما يحضره من فنون الاستشهاد والتمثيل، ولا يبرح يمط الموضوع في هذه الناحية بالتوليد، وطلب المناسبات القريبة، والملابسات الدانية، تسندها النكتة البارعة، ويسعفها التندر البديع، حتى ينتهي إلى ما لا ينتهي إليه أحد من الناقدين!
ولقد كان هذا من «مصباح الشرق» الأصل الثابت لهذا اللون من النقد - أعني النقد «الكاريكاتوري» في مصر - كما كانت صحيفة المويلحيين «أبو زيد» أول ما عرف فيما أعرف أنا من التصوير «الكاريكاتوري» في هذه البلاد، ولعلي ألمع إلى هذه الصحيفة في بعض هذا الكلام.
لم ينته خطب «مصباح الشرق» إلى هذا الموضع فحسب؛ بل لقد كان - على أنه صحيفة لا تظهر في جميع الأسبوع إلا مرة واحدة - يروي من جلائل الأخبار في الأسباب العامة ما لا تبلغه الصحف اليومية، على شدة ارتصادها لمثل ذلك، وإذكاء عيونها الكثيرة في طلبه وتقصيه، فكانت أمهات الصحف اليومية لا تتحرج، في كثير من الأحيان، من نشر مهام الأخبار نقلا عن صحيفة «مصباح الشرق» الأسبوعية مضافة إليها معزوة لها، وفضل «المصباح» في هذا السبق العجيب إنما كان لجلالة محل إبراهيم بك المويلحي عند أولي الأمر كلهم، وخفة روحه، ولطف مدخله، وسعة حيلته، حتى ليستخرج منهم بهذا ما لا يخرجون عنه لغيره من رواة الأخبار!
ولا أحب أن أجوز هذا الموضع من الكلام قبل أن أقول إن «المصباح» أول من جلا للناس براعة الجاحظ وعبقرية ابن الرومي بما كان يختاره لهما من بدائع المنثور وروائع المنظوم، قبل أن تقع العيون من آثارهما على كتاب أو ديوان، وأول من عالج النقد الأدبي لما تنتضح به قرائح الشعراء، وأعني به ذلك النقد الرفيع الغالي، الذي جمع بين أساليب النقد في أزكى عصور العربية، وبين طرائقه التي اختطها نقدة الغربيين في هذا الزمان.
وعلى الجملة، فلقد فتح «المصباح» في الأدب العربي فتحا جديدا، وأمسى «مصباحا» حقا يهتدي المتأدبون بسناه إذا أرسلوا القول أو اجتمعوا لنظم الكلام.
وبهذا وهذا أصبح «مصباح الشرق» أفخر مدرسة لطلب الأدب الرفيع الجزل الطريف في هذه البلاد.
ومما ينبغي أن يذكر في هذا المقام أن جماعة الشعراء قد تعاظمتهم سطوة «المصباح» في باب النقد، فحسبوا له كل حساب، ويا ويل من لا يتحرى من الشعراء البارزين ما لا يبلغه الجهد كله من التدقيق والتجويد والإحسان.
وإني لأكتفي اليوم من حديث السيد محمد المويلحي بهذا القدر، على نية العودة إليه في القريب، إن شاء الله.
لست أغلو إذا زعمت أنني في مطلع نشأتي الأدبية كان «مصباح الشرق» عندي هو المثل الأعلى للبيان العربي، وبهذا كنت شديد الإكباب على قراءته، وتقليب الذهن واللسان في روائع صيغه وطرائف عباراته، حتى لقد كنت أشعر أنني أترشفها ترشفا لتدور في أعراقي وتخالط دمي، وتطبع ملكتي على هذا اللون من البيان الجزل السهل الناقد الطريف، ولكن «ما كل ما يتمنى المرء يدركه»!
ولقد كنت فتى مولعا بالصناعة، شأن أكثر نابتة المتأدبين في ذلك العهد، فلما أرسل محمد المويلحي في المصباح: «أحاديث عيسى بن هشام» زادني وزاد لداتي به فتونا.