تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو قد عني أهل كل عصر بأن يحفظوا لخلفهم نماذج من ثيابهم، وآلاتهم في سائر حوائجهم، وفعل هؤلاء مثل فعلهم، لظلت سلسلة الأزياء واضحة على وجه الزمان.

ولعل من الخير أن أنبه في هذا المقام إلى أن محاولة كشف الرجل من آثاره المحفوظة لا تجدي كثيرا في الإبانة عن خلاله ومداخل عيشه حتى مظاهرها، بل إنها لكثيرا ما تكون من وسائل الضلة في إثبات التاريخ، ولست أسوق لهذا أكثر من مثلين اثنين: ذلك بأنك لو اتكأت في طلب خلال الجاحظ على مجرد آثاره، لخرج لك منها أنه كان أزهد الناس في المال، وأنه لو سقط ليده لكان أجود به من الريح المرسلة، فإن أحدا لم ينع الشح ولم يذم الأشحاء كما نعى الجاحظ وكما ذم، وإن أحدا لم يؤلف كتابا في «البخلاء» أبلغ فيهم إيجاعا، وأشد لهذه الخلة وأصحابها إقذاعا، كما صنع الجاحظ، ومع هذا لقد كان هو نفسه من أشد المبخلين الذين أوفوا على الغاية من الجشع والحمل على المروءة أحيانا في طلب المال، وإنك لو التمست مثل هذا في أبي الفرج

2

لخرج لك من آثاره أنه كان أجمل الناس سمتا، وأنظفهم بدنا وثوبا، وأشدهم أخذا للنفس بأدق آداب السلوك في طعامه وشرابه، وغير ذلك من أسبابه، ولكن الواقع أنه كان من أشد الناس شرها، وأقبحهم مؤاكلة، وأقذرهم خلقا وثوبا، حتى ليصح في بعض خلته قول الشاعر:

وسخ الثوب والعمامة والبر

ذون والوجه والقفا والغلام!

ولولا أن معاصري هذا وهذا أثبتوا لكل منهما ما أثبتوا لزلت فيهما الأقلام، وضلت الأوهام! •••

بعد هذا آخذ في حديث أستاذي ورئيسي وصديقي، العالم الفيلسوف الأديب الكاتب الناقد، السيد محمد بك المويلحي، رحمة الله عليه.

من أكثر من ثلاثين سنة خلت، ولما أزل بعد في أيام الفتوة، وفي صدر طلب العلم في الأزهر، صدرت في مصر جريدة أسبوعية سياسية أدبية باسم «مصباح الشرق» في أربع صفحات دون صفحات الجرائد التي تصدر الآن مساحة، ولون ورقها يضرب إلى الحمرة، ويقوم بتحريرها إبراهيم بك المويلحي وابنه السيد محمد المويلحي، وكانت عامة الصحف الأسبوعية قد وصلت في ذلك العهد من المهانة والفسولة والإسفاف وتفاهة الموضوعات إلى أبعد الحدود.

مصباح الشرق

لقد كان هذا «مصباح الشرق» شيئا طريفا حقا، لقد كان أبلغ من طريف فإنه لأعجوبة حقا، لقد كان «مصباح الشرق» أبلغ من أعجوبة، إنه لشيء يكاد يتصل بحكم الخوارق في تلك الأيام!

بلاغة بليغة، ولفظ جزل متخير وديباجة مشرقة، وصيغ مونقة ، ونسج متلاحم، وأسلوب ليس وراءه في هذا الذي يدعونه السهل الممتنع.

أدب بارع، علم وفلسفة، وبحوث رائعة في سياسة الأمم، وفي الأخلاق وعلوم الاجتماع، منها المبتكر المنشأ، ومنها المترجم من مختلف اللغى، في عبارة عربية بليغة سلسة ناصحة واضحة لا تستروح منها أي ريح للاستعجام، هل رأيت قط ترجمات السابقين في عصر بني العباس؟

مذهب طريف في النقد، نقد الأشخاص، لا عهد للأدب العربي به من قديم الزمان؛ بل لعله لا عهد له به من أول الزمان!

لم تكد تطالع الناس هذه الصحيفة الدقيقة الجرم مرتين أو ثلاثا حتى أصبحت من بعض شغل الخاصة في هذه البلاد!

لا يدخل الأصيل في يوم الخميس من كل أسبوع إلا وقد زاغت أبصار، وتكرشت جباه، وتقلصت شفاه، وتداركت أنفاس، ووجفت قلوب، هل رأيت انفلات الطائر بعد طول الاحتباس؟ كذلك كان يترقب الخاصة مشرق «المصباح» وسرعان ما تخطفه اليد الراجفة فتشقه، وسرعان ما يشيع البصر كله في مساحة النقد كلها، لا يستقر على موضوع خاص، ولا يتحيز في حديث معين، بل إنه لينساح على الصفحة كلها انسياحا ليدرك قبل رد الطرف: أشك المويلحي اسم صاحبه فيمن شك أم أرسله في جملة الطلقاء؟! حتى إذا اطمأن الرجل إلى أنه قد كتبت له السلامة لجمعته، ألقى الصحيفة بين يديه، وجعل يطامن من نفسه، ويبسط من خلقه ما تقبض، ويفرخ من روعه ما تحبس.

المختار · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٩٤