كيف تمثل لي محمد المويلحي؟
لم تكن عيني إلى هذا العهد قد وقعت قط على محمد المويلحي، ولا خيار للمرء في تمثل صورة من لم ير من الأناسي، وما لم يشهد من البقاع، فكانت الصورة التي جلالها علي الخيال لهذا الرجل، صورة شاب معتدل القد، وضيء الطلعة، وسيم الوجه قسيمه، وما كان ذلك البيان الجوهري ليجلو علي من الرجل غير ذلك، على أنني كنت أرى أباه إبراهيم بك الحين بعد الحين في زياراته لوالدنا، عليهما رحمة الله، وفي زيارات والدنا له «بعمارة البابلي» يوم كنت أصحبه، وكان هذا المويلحي الكبير تحفة من تحف العصر التي قل أن يجود بمثلها الزمان: قوة لسن، واشتعال ذهن، وحضور بديهة، وسطوة نكتة، وسعة علم بالزمان وأحوال الناس، أما سرعته وتوفيقه في إيراد الشاهد من عبر التاريخ، ومأثور الآداب من منثور الكلام ومنظومه، فهذا ما لم يتعلق بغباره فيه أحد، فكان مجلسه متاعا من أعظم المتاع.
على أنني لم أوفق إلى رؤية المويلحي الابن مرة واحدة!
وتتابعت السنون، وخلص تحرير «المصباح» إلى محمد، ثم امتحنه القدر بحادثة اعتداء يسير عليه من بعض الطيش من أبناء «الذوات» في إحدى القهوات، وانتهى الخبر إلى المرحوم الشيخ علي يوسف، وكانت في صدره موجدة شديدة على محمد وعلى أبيه لما كان بينه وبينهما من كيد وصراع، فانتهز الفرصة، وروى الحادثة في صورة مهولة، واستدرج الكتاب والشعراء للقول فيها، وفسح لهذا في المؤيد مكانا عريضا، ومن ذا الذي لم يكن موتورا من المويلحي؟ ومن ذا الذي لم يقدر الوتر منه في مستقبل الأيام؟ وإذا كان الرجل عاجزا عن أن يخرج للمويلحي وحده، فهذه جموع الأدباء والشعراء والعلماء أيضا قد تداكت لقتاله بكل ما في أيديها من سلاح! ألا فليتقدم لطعن المويلحي من شاء أن يتقدم، فليس على أحد في قتاله اليوم من بأس!
وتثور العاصفة، ويشتد البأس، وتحمر الحدق، وأذن النفير العام، فوثب القاعد، وتحرك الساكن، وانبعث الجاثم، وهب النائم، وأهاب القعديون
3
بالمتخلف، واستحمسوا المتخاذل، وشد الجميع على قلب رجل واحد، وهل كان من المستطاع أن يصمد لهذا الجيش اللجب رجل واحد؟ لم يستطع المويلحي أن يثبت في الميدان، فأطفأ «المصباح»، وانسل إلى داره وقد ألقى يد السلام، واحتجب ولكن في انتظار الثأر وري الغلة بالانتقام!
ولقد تم للمويلحي من هذا بعض ما أراد أو كل ما أراد، فلقد كان ممن أثاروا الثائرة على الشيخ علي يوسف أيام حادث الزوجية المشهور، وفتح له في جريدة «الظاهر» بابا مثل ذلك الباب، واستدرج له أقلام الشعراء والكتاب، وواحدة لواحدة كفاء!
متى رأيت المويلحي وكيف اتصلت به؟
بين سنتي 1907 و1908، لا أذكر على التحديد، سألت صديقا حديث العهد بصداقتي، ولكن وده للمويلحي قديم، سألته وتمنيت عليه أن يجمع بيني وبينه، وما كان أبلغ دهشي واغتباطي حين قال لي: إن المويلحي قد طالعه بأنه يحب أن يراني، ولعله عرف بي من أيام كنت أرسل القول في الشيخ في فتنة الزوجية شعرا ونثرا، (وأسأل الله أن يغفر لي هذا)، وتواعدنا أن نذهب إليه في الأصيل.
وكان رحمه الله قد اتخذ مسكنه دارا من دور سعيد باشا نصر، تقع في أطراف العباسية يومئذ، وهذه الدار لا يعطي العين ظاهرها أكثر من منظر «حوش» في قرافة الإمام، فإذا جزت مداخلها انفرجت للعين حديقة واسعة قد عبدت طرقها تعبيدا، ونضدت أشجارها تنضيدا، وتأنقت يد البستاني في تسويتها وتنميقها، كما تأنقت يد الطبيعة في تشجيرها وتزويقها، فهذا الفل الوضيء الآلق، وهذا الورد المشرق الضاحك، وهذا النرجس تنبعث من عيونه الأسحار،
4
وهذا الياسمين لقد استحال تنفسا في ساع الأسحار.
5
ولقد أفرد زاوية من زوايا الحديقة للغزلان والطواويس وجماعات الطير من كل غرد صداح.
ويستقبلني رحمة الله عليه بالبشر والتأهيل والترحيب، وإذا بي إزاء رجل حنطي اللون، بين الطويل والقصير، والسمين والهزيل، مستطيل الوجه، عريض الجبهة، حاد العينين، مستوي الأنف، له فم قريب إلى الفوه في غير قبح ولا استكراه، إذا تمثل واقفا لمحت في ساقيه تقوسا خفيفا لعله دخل عليه من أنه عالج المشي قبل أن تصلب عظامه، وله إذا تحدث صوت لا أقول خشن، بل أقول جزل، فإذا أقبل على القراءة زر عينه اليسرى، فبان التكرش الشديد في معقد ما بين أعلى العارض وأسفل الجبين، وهذا التكرش لا شك كان من أثر السنين، وإن كان يخفيها في المويلحي شدة عنايته بصحته، وتكلفه ألوانا من علاج البدن بمأثور الوصفات، والتزام الحمية في كثير من الأوقات، وأخذ النفس بالراحة التامة ما تستثيره أزمة من الأزمات، ولا يستدرجه مجلس لهو، ولا تقنصه داعية لذة من اللذات؛ وبهذا تهيأ له أن يحيا في مثل نضرة الشباب إلى الممات.