نعم، لا يعرف أحد ما بذل رشدي ليلتئذ من عزم وذكاء، ليدفع عن وطنه كل هذا البلاء، ولكن كثيرين يعلمون أنه بذل الصحة، أو على الصحيح بذل الحياة، لأنه لم يدر عليه يوم أو يومان حتى ضربه الفالج فأبطله حينا، ثم أتى في النهاية على حياته العزيزة الغالية.
شجاعته
ولقد كان رشدي رجلا شجاعا كل الشجاع، يجهر بكل ما يعتقد، واقعا كلامه حيث وقع، لا يبالي في ذاك شيئا ولا يبالي فيه أحدا؛ وإن امرءا كرشدي قوي العزم، عظيم النزاهة، وافر الإخلاص، شديد التمكن من النفس؛ لا يجد أية حاجة لأن يرائي الناس أو يماريهم ويتحرف لهم، بل هو كل حقيق بأن يعد كتفه لاحتمال كل ما يحمله سعيه من التبعات.
ولست أريد أن أعرض لشأنه في أعقاب سنة 1914، فذلك - كما أشار رئيس مجلس النواب ووكيل مجلس الشيوخ في تأبينه - من حق المستقبل يحكم فيه بعد أن يطالع ما طاف به من الظروف، وما اتكأ عليه من الأسانيد، إلا أنني في هذا الباب لا أنسى أن رشدي كان شجاعا في احتمال تبعة ما وقع على يديه، وكان له بالطبع رأي فيه إن خيرا وإن شرا، وهو على أنه - كما علمت - قد راجع الكثيرين من أصدقائه في الأمر فأقروه وأجازوه، إلا أن شجاعته أبت عليه في معرض الجدال أن يشرك معه في تبعة الأمر أحدا، بل لقد مضى بها وحده، محتسبا إنصافه عند التاريخ وحده.
لقد تعلم أنه سير سفينة الحكم طوال مدة الحرب، ولقد تعلم ما حاق بمصر أيام الحرب من هول وشدة، ولقد تعلم ما كان للسلطة العسكرية من صولة وقوة، وغدا ستعلم ما كان لرشدي باشا من مواقف يكف بها العاديات عن المصريين لا يقفها إلا الرجل الشجاع.
وجاءت الهدنة العامة، وأعد الجبار «السربرونيات» عدته لالتهام مصر، وأخرج مشروعه الذي يسل به الحكم من أيدي المصريين سلا، وخاف الناس وانقبضوا في أكسار دورهم من خوف ورهبة، وبرز له رشدي بتقريره الوطني الخالد على وجه الدهر، وسرعان ما كسره به تكسيرا، وكان ذلك أول أذان بالفورة المصرية، حتى إذا تعذر عليه الإنجليز ودلوا بقوتهم؛ أضرب - وهو رئيس الوزارة - عن الحكم أشهرا، فكان صنيعه حدوة للموظفين فأضربوا جميعا، وكان إضرابهم أبلغ مظهر للنهضة المصرية، ولقد سمعت منه، رحمه الله، أن الحبال قد فتلت لرقبته مرتين، فما أبه ولا بالى في سبيل وطنه، وكذلك يكون الرجل الندب الشجاع.
ومما يذكر له في هذا الباب أنه كان في مفاوضات سنة 1921، وجرى الكلام في الاحتلال الإنجليزية، وأصر المفاوضون المصريون على طلب الجلاء، فقال لهم اللورد كرزن في شيء من التهكم: وإذا سحبنا عسكرنا من بلادكم، ألا يجوز أن تحتلها اليونان في اليوم الثاني؟! فانتفض رشدي انتفاضة شديدة، وأجابه من فوره: لا تنس يا لورد أن أسلافك حين حاولوا غزو مصر ألقاهم هؤلاء المصريون في البحر، وكان ذلك بقيادة جدي أنا! (يريد رحمه الله موقعة رشيد)، فوجم اللورد كرزن ووجم الحاضرون جميعا، وبعد سكوت طويل أو قصير صرف اللورد الحديث إلى شأن آخر!
نزاهته
تقلب رشدي في مناصب الحكم حتى صارت إليه رياسة الوزارة، وحتى طرح القدر بين يديه يوما أمر مصر كلها، وكان طوال زمن الحرب كل شيء، في الجهة المصرية على الأقل؛ فما التمس قط لنفسه ولا لأحد ممن يلوذون به مغنما من أي نوع كان، وعزيز علي أن أنوه بشرف رشدي وأن أشيد بنبل نفسه، فإن مثله لأجل من أن تلحق ذمته التهم، ولقد وافقته مرة في مكتب المرحوم أحمد الأزهري بك من كبار موظفي مصلحة الأملاك، وهو يسأله في تأجيل دين عليه للمصلحة، ذهب عني قدره بالضبط، على أنه على كل حال يضطرب بين الستمائة جنيه والثمانمائة، ثم التفت إلى بعض الحاضرين وقال في مرارة أردفها بضحكة مصنوعة: يقولون إني بعت مصر بثلاثة ملايين، فهلا دفعوا منها لمصلحة الأملاك هذا المبلغ وأخذوا لأنفسهم الباقي؟