عطفه وبره
كان رشدي نبيل الإحساس، بالغا من طيبة القلب مبلغا لا يكاد يلحقه فيه إنسان، فما أصاب عانيا أو مدنفا أو امرأ تغير له الزمن إلا أحس بأنه هو المسئول عما ضربته به الأيام، وكثيرا ما تتضح عينا هذا الرجل الشجاع بالدمع إذا رأى مكلوما في جسمه، أو ممتحنا في أسباب حياته، أما ماله وأما جاهه العريض فذلك كله نهب مقسم بين العافين من الناس، ولو كان رشدي باشا يملك كل ما في الدنيا من مال لخرج عنه لطالبيه في سماحة وارتياح، ولقد تقسم وقته في أخريات سنيه، بين أن يفرق على الناس كل ما احتوته محفظته، وبين أن يطوف بهم الدواوين يشفع لهم في قضاء الحاجات، ولقد أسرف في هذا حتى ابتذلت شفاعته أو كادت تبتذل عند الحكام لشدة إفراطه في الرجاء، على جلالة محله لديهم، وسمو قدره عندهم، وحتى خرج من الدنيا صفرا إلا من الشرف، وإلا من أعلى الذكرى لأعلى الرجال. •••
وبعد، فلقد خسرت مصر - من غير شك - بموت رشدي باشا مجموعة من المواهب جليلة غالية، وإذا كانت الأيام تنجب لنا رجلا في علمه، أو في عبقريته، أو في شجاعته، أو في وطنيته، أو في طيبة قلبه، أو في نبل أخلاقه، أو في كرم يده؛ فهيهات أن تنجب رجلا جمع معا كل هذه الخلال كما جمعها فقيدنا العظيم، وإن لم يكن ذلك على الله بعسير.
| الشيخ علي يوسف1
في يوم 25 أكتوبر من سنة 1913 والقلوب واجفة، والأبصار زائغة، ومصاير الأمور تتواثب للأوهام في صور مبهمة غامضة، تضطرب بين اليأس كله وبين الرجاء كله، والناس يتساءلون متهامسين من الخوف ومن الورع: ترى ماذا عسى أن يكون قسم مصر من هذه الحرب العامة، وماذا كتبت لها الأقدار، في صفحتي الليل والنهار؟
في ذلك اليوم من تلك الأيام السود، مات رجل ليس كمثله في مصر كثير، رجل إذا أحبه ناس أشد الحب، فلأنه قوة كبيرة في مصر، وإذا كرهه ناس أشد الكره، فلأنه قوة كبيرة في مصر، فالشيخ علي يوسف، على تفرق الأهواء فيه، كان قوة هائلة في هذه البلاد يحسب الناس جميعا لها كل حساب.
ولقد كنت من الذين أبغضوا الشيخ عليا أبعد البغض، ثم كنت من الذين يحبونه أغلى الحب، ولا والله ما رأيته في حالي بغضي وحبي له إلا رجلا عظيما!
مات الشيخ علي يوسف في ذلك اليوم، فما قامت الدنيا لموته كما كان ينبغي أن تقوم، ولا قعدت الدنيا لموته كما كان ينبغي أن تقعد، بل لقد شيع ودفن كما يشيع ويدفن أوساط الناس، وكأن الناس لم يشيعوا فيه مفخرة من مفاخر مصر، ولا أودعوا الضريح كنزا من كنوزها الثمان!
لا أقول إنه الإهمال السيئ، ولكن أقول إنه الظرف السيئ، ولا أريد المزيد، والآن تسأل الشباب المثقفين المتعلمين عن الشيخ علي يوسف، وكيف كان خطبه في البلاد من إحدى وعشرين سنة فقط، فترى أقلهم من لا يعرف عنه كثيرا، وترى أكثرهم من لا يعرف عنه كثيرا ولا قليلا!
أهكذا، وبهذه السرعة السريعة، تختفي سير الرجال عندنا كما تختفي الصور إذا ساد الظلام، أو كما تختفي أشباح الرؤى ساعة الهبوب من المنام؟
وإنني لأضيف الوزر في هذا أيضا على الظروف، والحمد لله الذي جعل لنا من هذه «الظروف» تكأة نعتمد عليها كلما غشيتنا غاشية من الإهمال، أو طاف بنا طائف من سيئ الأعمال! •••
ولقد قلد الشيخ علي منصب مشيخة السجادة الوفائية، فاستحق بهذا أن يسمى السيد عليا، وقلده الخليفة العثماني الرتبة الأولى من الصنف الثاني، فاستحق بذاك أن يدعى علي بك أو علي باشا يوسف؛ ولكنني لا أعبر عنه إلا بالشيخ علي يوسف، هذا الاسم الذي طالما رن في الآذان، وتجاوبت به الأصداء من كل مكان: الشيخ علي يوسف! الشيخ علي يوسف! وحسبه بهذا لقبا، بعد ما اعتز بنفسه حسبا، وكرم بالرسول الأعظم نسبا.
كان الشيخ علي يوسف رجلا عصاميا بأوفى معاني الكلمة، نجم في «بلصفورة» من بلاد مديرية جرجا، في أسرة إذا كرم أصلها فقد رقت حالها؛ ولا تنس أن المال هو كل شيء في هذا الزمان، وتعلم القراءة والكتابة في كتاب القرية، وحفظ القرآن الكريم، ثم انحدر إلى بني عدي من أعمال مديرية أسيوط، فطلب العلم هناك على الشيخ حسن الهواري، ثم قدم الأزهر فطلب العلم فيه بضع سنين.