تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد أذكر أنه في إحدى جلسات لجنة الدستور، وكنت من سكرتيريها، اقترح أحد الأعضاء مبدأ دستوريا لا يحضرني موضوعه الآن، فصده رشدي في عنف، وقال: إن هذا مبدأ غير مستقيم، ولا يمكن أن يؤذن به في قواعد دستور، فقال ذلك العضو، وهو من الأذكياء المتفقهين: ولكنه قد أخذ به في دستور كذا، وسمى دولة لعلها من تلك الدولات التي انصدعت عن روسيا ووضعت دساتيرها بعد إذ ضرب الفالج رشدي وصرفه عن درس القوانين، فأكد رشدي أنه، وإن لم ير ذلك الدستور، يقرر أن ما زعمه العضو لا يمكن أن يكون! وتحاجا ساعة، ثم انتهيا إلى أن يأتي العضو من غده بنسخة ذلك الدستور، ولكنه في اليوم الثاني إنما جاء معتذرا بأنه بعد إذ راجع المادة أدرك أن العجلة زلت به أول الأمر عن تفهم الكلام، وهكذا كان مخ رشدي نيرا سليما مطبوعا على القانون وللقانون، صادق الحكم فيما قرأ وما لم يقرأ من أحكامه ومبادئه.

قوة حجته

كان رشدي باشا من أشد خلق الله حجة وأمضاهم قولا، يحكم له بهذا كل من أوتي فطنة يلمح بها ما يتراءى لذهنه أثناء التدليل من فنون الأسباب والعلل، على أنه قد اجتمع عليه إلى تلك الحالة «العصبية» ضعف المادة في لغة العرب، فلم يكن لبيانه إذا تكلم بهذه اللغة أو كتب من الوضوح ما يتوافى لجلالة معانيه، ويواتي براعة تدليله، ولكنه برغم هذا كان إذا كتب ارتفعت قوة معانيه بعباراته العربية، حتى يجيء منها أحيانا بالرائع الجزل الذي لا يتهيأ لمن له مثل حظه القليل من لغة العرب والتفقه في أدبها.

وإني لأذكر أنه اختلف يوما مع بعض المصطفين الأعلام من أعضاء لجنة الدستور على مسألة، لا محل لإيرادها الآن، فذهب إلى رأي أزعجهم، وبعثهم بالإنكار والاحتجاج، وكلما سألهم أن يصبروا حتى يدلي إليهم بحجته، صاحوا في وجهه، ودافعوه بغليظ الكلام، وأخيرا وثب من مجلسه، وأهاب بهم بأعلى ما اتسعت له لهاته: «يا حضرات السادة: استمعوا لي حتى أفرغ من حجتي، ثم فندوها بكل ما عندكم من حجة ودليل» ثم اطمأن قليلا، وعاد فقال في رفق ولين وإلقاء: «ولكنكم لن تستطيعوا!» فسكت القوم وتكلم رشدي ثم تكلم، فما هو والله إلا أن راح يلعب بالألباب لعبا، وما هو إلا أن راح يستعرض كل أدلتهم وما حصلوا من حجج، فيشد وثاقها، ثم يلقيها بين يديه واحدة بعد واحدة، والقوم ذاهلون عن مصيرهم بما تداخلهم من العجب ومن الطرب، حتى إذا ذابت آيتهم تحت لسانه كما يذوب الثلج في اليوم القائظ، أقبل على معارضيه في تؤدة واطمئنان، وقال لهم: إذن فتكلموا، فما هي إلا رءوس منغضة وأفواه مفغورة، ثم تصفيق يرتفع إلى السماء من إعجاب ومن افتتان!

ولقد حدثت أحداث الإسكندرية في مايو سنة 1921 ورشدي مع عدلي في لندن يفاوضان كيرزن في المسألة المصرية، وكانت السلطة العسكرية قد ملكت الأمر كله عن الحكومة المصرية، وتولت هي التحقيق بقوة الأحكام العرفية التي كانت مبسوطة يومئذ على البلاد، فلما انتهت المفاوضات إلى الكلام في حماية الأجانب، وعارض المفاوضون المصريون في أن يكون هذا إلى إنجلترا، دفع اللورد كيرزن إليهم بتحقيق السلطة العسكرية في حوادث الإسكندرية، وما دمغ المصريين ظلما بألوان الوحشية، وما أضاف إليهم من أمور تقشعر منها الجلود، فتناول رشدي باشا هذا التحقيق ويداه صفر من كل شيء، لأن التحقيق - كما قلت لك - استقلت به السلطة العسكرية، فأبت على رشدي عزيمته، وأبت عليه وطنيته، وأبت عليه عبقريته إلا أن يكب ليلته كلها على هذا التحقيق، والله يعلم ماذا بذل من مخه، والله يعلم ماذا هراق من ذكائه، حتى اتسق له في الصباح تقرير يعصف بهذا التحقيق عصفا، ويشهده على نفسه بالبطل، وشدة الحمل على المصريين، ثم مضى به إلى لود كيرزن فألقاه إليه، وما إن قرأه حتى سأل أن يتقاص الطرفان، وكذلك أخلت حوادث الإسكندرية الطريق!

المختار · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٨٥