تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

فرعه، ويطيب للآكلين ثمره وينعه

7

ويا سحب جودي بالأمطار، لتخصب الأودية وتحتفل بالعذب السائغ الأنهار.

ولا تزال في جهدها ونصبها حتى تعلو بها السن، فتترقرق صفرة الأصيل، في ذلك الخد الأسيل،

8

ويبدل جلال الشيخوخة من رونق الشباب، وتصرف نضرة اللجين بالعسجد المذاب، وماذا تراه يجدي في نضارة السن أو يغني عن بضاضة الإهاب؟

ثم تمشي متثاقلة إلى خدرها، لتتوارى عن العيون خلف سترها، وهي تعتمد من شعاعها على عكازة، كأنها شيخة أجهدها طول السرى في مفازة، حتى إذا حاذت الأفق، جعلت تتدلى وراءه رويدا رويدا، كأنها تتزود ليومها من العالم بآخر نظرة، أو لتنفث من شعاعها المهزول ما أجنت على الصبا من لوعة وحسرة، حتى يغشاها الذبول، ويدركها الأفول، مخلفة وراءها فلولا من جيشها الأحمر، ما تفتأ تجتاحها جيوش الظلام، وكذلك الأيام دول وسبحان من تفرد بالدوام! •••

وهذا القمر يبدو لك أول الشهر خيطا دقيقا، ثم يبدو لك في ثانيه كحاجب الأشيب، ثم يستوي قوسا، والنجوم تحف به وتدلله، وتسهر عليه في سقمه وتعلله، ولله در ابن المعتز إذ يشبه الهلال بقوله:

انظر إلى حسن هلال بدا

يهتك من أنواره الحندسا

9

كمنجل قد صيغ من فضة

يحصد من زهر الدجى نرجسا

وقوله:

أهلا بفطر قد أناف هلاله

الآن فاغد على المدام وبكر

وانظر إليه كزورق من فضة

قد أثقلته حمولة من عنبر

ولا يزال ينمو ويدرك حتى يستوي بدرا كاملا، والنجوم حافة من حوله منها الثابت ومنها الرجراج، ومنها ما أثبتته الهيبة ومنها ما ألهبه الوجد فهو دائم الاختلاج، وكيف لا تحتفل النجوم لابن الشمس وولي عهدها، وحارس ليلها وقائد جندها في بعدها؟

والقمر في أول مولده، وفي طفولته، وفي فتوته، وشباب سنه، وفي شيخوخته وهرمه؛ رفيق النفس، رقيق الطبع، كريم الجوهر، حلو الشمائل؛ ما حضر إلا أهنأ وهدى، وما غاب إلا أضل وأشقى؛ وما تألق إلا كسا الأرض بردا من لجين، إذا أنكرته اليد فهيهات أن تنكره العين! •••

وهذا الروض الأريض: لقد انسرح بانه، وفرعت

10

فروعه وبسقت أغصانه وزكت أوراقه، ورف

11

بوحي النسيم نبته وجلجل اصطفاقه، وأشرقت أنواره، وتطلعت من أكمامها أزهاره، فعاجلها الندى، وانتثر من قطره بين طياتها مثل عيون الدبى،

12

والجداول من دونها تتعطف وتتمايل، والبلابل على أفنانها تتشادى وتتزاجل.

13

وهكذا، فإنك واجد الجمال في الكثير مما جلت الطبيعة، وفي الكثير مما جالت به يد الإنسان. •••

على أن الناس ليسوا على حظ سواء في الشعور بالجمال ومبلغ إصابة اللذة منه، كما أن مظاهر الجمال المختلفة ليست عند الناس بدرجة سواء: فمن الناس من لا يروعه إلا منظر البحر قد اشتد التجاجه،

14

وتدافعت أمواجه، ومنهم من لا يبهره إلا الزهر قد اختلفت ألوانه، ورصعت به بانه، وسطعت بالعبير أردانه، ولله در ابن المعتز حين يقول:

وعلى الأرض اخضرار

واحمرار واصفرار

فكأن الروض وشي

بالغت فيه التجار

نقشه آس ونسر

ين وورد وبهار

ومن الناس من لا تخلبه إلا الموسيقى، فهي تريه من آي الجمال بأذنه، ما لا يستطيع أن يشهد بعينه، وهي تشفه حتى يحسب نفسه صفحة من الماء، وترقه حتى يخالها قطعة من الهواء، وتخففه حتى يحلق في جو السماء، وما هو أن حلقا صلصل أو أن وترا تنغم، ولكن نفسا صبت وقلبا تكلم! •••

ولقد قلت لك إن الناس ليسوا على حظ سواء في إدراك الجمال ومبلغ إصابة اللذة منه، والواقع أنهم في هذا متفاوتون كل التفاوت: فمنهم من يسمو فيه إلى حد الافتتان والانبهار، ومنهم من يسف إلى حد جمود الحس وصمم الشعور، وبين هذين الحدين مراتب بعضها فوق بعض.

هذا وليست نعمة الشعور بالجمال مقصورة على إصابة اللذة وتنعيم النفس، واستراحتها من العناء، وتفرجها من ألوان الهموم؛ بل إن لها وراء ذلك أثرا بعيدا في ترقيق الحس، وتهذيب النفس، والمطامنة من جماحها، ورياضتها على العطف والرحمة وحب الخير، كما أن لها أثرا بعيدا في تهذيب المدارك، وتعويدها دقة الملاحظة، وشدة التفطن لما يعيى على كثير من الناس.

المختار · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٨٠