تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإدراك الجمال، مهما يجف الطبع، يمكن أن يكتسب بالتنبيه وترديد الملاحظة، ولفت الشعور بإظهار الإعجاب والافتتان، حتى إذا أومض في نفس الناشئ برقه، نبض له عرقه، فأقبل على التماسه، فإذا أصابه جعل يتأمله، ويجرد له الحاسة التي تدركه، ولا يزال هذا دأبه ووكده حتى تستوي له ملكة إدراك الجمال، وله منها بعد ذلك ما شاء الله من اللذة ومن تهذيب النفس أيضا. •••

ولقد كان أكثرنا - نحن المصريين - إلى زمن قريب، لا يعنى بهذه الملكة ولا يحتفل لها، بل إن بعضنا قد كان يعد تفقد كثير من مظاهر الجمال ضربا من العبث، بل ضربا من الفتون.

وإن أنس لا أنس أنني من نحو خمس عشرة سنة كنت أساير بعض كبار الأعيان في بعض الرياض؛ فلمح على عذار الطريق وردة كميتة،

15

فسرعان ما أهوى إليها بيده، فغطى رأسها ببعض راحته، وزر أصابعه على أصلها، وما زال يشد عليها حتى فرق شملها، وجعل يحدثني وهو يعرك ورقها بيديه، حتى إذا فراها وبراها ألقى بعظامها على جانب الطريق، ولا والله ما ألقى عليها في أثناء هذا الصيال نظرة واحدة، حتى خيل إلي أن بين الرجل وبين هذه الوردة المسكينة وترا قديما!

وأعرف رجلا من الأغنياء المتعلمين المترفين أيضا، ما خلت داره من سيارة أو اثنتين أو ثلاث لحاجاته وحاجات أولاده، أفتدري كيف يقضي هذا الغني المتعلم المترف كل أوقات فراغه؟

صدقني إذا قلت لك إنه يقضيها في مقهى يحاذيه «موقف» مركبات يسطع في الجو من رجيع خيلها ما يسطع، وهو جاثم على النرد (الطاولة) ما يريم ولا يتحلحل، ولا يمل ولا يضجر، إن علمت قط أنه عدل بسيارته يوما إلى الجزيرة ليمتع الطرف بجمال مناظرها، ويريح

16

الأنف بشذا أزاهرها، أو أنه صعد إلى أصل الأهرام، ليجمع إلى الروعة بفخامة البناء، التمتع بطيب الهواء!

ولست بالضرورة أسوق هذين مثلا لجميع المصريين، وعلى كل حال، فإن نهضتنا الجليلة تناولت فيما تناولت فنون الجمال، فلقد وثبت الأمة لمعاضدتها، وانبعثت الحكومة لمساعدتها، وتظاهرت الهمم من كل جانب على تربية الأذواق وإرهاف المشاعر، فمن تشييد المعاهد للفنون الجميلة على اختلاف ألوانها، إلى إنشاء متاحف جديدة، وزيادة العناية بالمتاحف القديمة، إلى الإكثار من إقامة المعارض لمفتن الصور، وأخرى لمبتدع الزهر، يتبارى فيها المتبارون، ويتسابق إليها المتسابقون، وسيكون لهذا كله أثره في تربية الأذواق، وفي تهذيب الأخلاق، فإن من البطر على فضل الله ألا يقبل الناس على إمتاع النفوس بهذه النعمة العظيمة التي لا تكلف الناس من المال أو الجهد - إن هي كلفتهم - إلا يسيرا!

| بنك مصر1

لا أحاول في هذا المقال - وهيهات لي - أن أجلو عليك صورة كاملة لتلك البنية العزيزة التي أقامها «بنك مصر» في شارع عماد الدين لتكون مثوى له، ولما يرفده من الشركات في القاهرة، وكيف للغة بأن تتناول ما لم يجر على مثال، ولا وقعت عليه العيون ولا تعلق به الخيال؟

ولقد كنا نقرأ أقاصيص «ألف ليلة وليلة» وما افتنت فيه من الأخيلة في وصف مجالس الملوك إنسهم وجنهم، وكنا نقرأ ما جاءت به السير من حديث قصر غمدان، وإيوان كسرى أنوشروان، وما حوى الخورنق والسدير، وما أبدع الفاطميون في القصر الكبير والقصر الصغير، كنا نقرأ هذا فلا نتمثل إلا ركاما من الذهب والفضة واليواقيت واللآلئ وغيرها من ثمين الجوهر، ثم يقبل البناءون فيدوفون

2

هذا بهذا بعد أن يعالجوه بالطيب والعنبر، وبالمسك الأذفر،

3

حتى إذا علكت

4

هذه الطينة، رفعوا منها قصرا ذا شرفات وكوى ومقاصير وإيوانات وأبهاء!

هذا الذي تنفضه عليك أخيلة القصاص من صفة القصور الدائرة، في الأعصر الغابرة، فإذا أنت انبعثت من النوم، وشخصت على قدميك، لا على جناحي خيالك، إلى تلك البنية التي أقامها «بنك مصر»، فسرعان ما تتفقد نفسك، وتجس مواقع حسك، لتعرف: أهببت من النوم أم عقد على جفنك المنام، وكان حقا ما ترى أم كان حلما من الأحلام!

المختار · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٨١