تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني أهنئك يا أخي، وأهنئ هذه الأمة، فلقد كانت «مجدولين» فتحا جديدا للغة العرب.

| إفلاس!1

لا أكذب القراء الخبر، فلقد اجتمعت اليوم لأكتب «حديث رمضان» فإذا بي مفلس لا أصيب زادا، ولا أجد لشأني عدة ولا عتادا، ولست أعني الإفلاس من المال، فهذا شيء قد أزمن وطال ثواؤه، حتى نزل منا والحمد لله منازل العادة، بحيث لو فارقنا لالتمسناه وتفقدناه، ووجدنا له من الشوق والحنين، ما لا يجد في وحدته مالك الحزين،

2

ورحمة الله على المتنبي حين يقول:

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا!

وبهذا ارتقينا، بفضل الله تعالى، عن مرتبة الرياضة على الصبر، إلى مقابلة المكروه بالحمد والشكر، فبتنا خيرا من كثير عزة حين يقول:

فقلت لها يا عز كل مصيبة

إذا وطنت يوما لها النفس ذلت

فليس الإفلاس المعني إذن إفلاس مال، ولكنه إفلاس مقال! •••

لقد فصحني النهار، وعلي أن أكتب «للجهاد» حديث رمضان، وأنبعث إلى مكتبي فأستوي له، وأبسط القرطاس بين يدي، وأشرع اليراع ثم أهوي به، فإذا هو يتعصى علي ويركب رأسه، ويشرد تارة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، ما يكف له جماح ولا يطامن من نفار!

يا ويلتا! ماذا أكتب «للجهاد» اليوم وكيف أقول؟ اللهم لا شيء!

أترى الأرض كلها قد أقفرت من موضوع يكتب كاتب فيه، ولو بالإصابة من أطرافه ومس حوافيه؟ اللهم لا!

وإني لأبسط العزم وأشده، وأذكي الذهن وأحده، وأمد الفكر وأثنيه، وأنشره ثم أطويه، وأتصعد به إلى السماء، ثم أغوص به في جوف الدأماء،

3

فلا يجديني ولا قطرة ماء!

ثم إني لأرمي بالقلم وأتطاير عن مكتبي، وأنفر إلى حديقتي الصغيرة، فأتفقد أشجارها، وأتوسم أزهارها، وأهرول من ها هنا ومن ها هنا، لعل خاطرا يعتريني فأصيب به كلاما، فإن ظفرت بعد هذا بشيء، فظفر القابض على المزقة من الفيء.

4

ثم أعود فأستوي إلى مكتبي فأستندي ذهني فلا يندى، وأروضه على القول فلا يطيع ولا يرضى، وأستبينه فلا يبين، وأستعطفه فلا يرق ولا يلين، وأستمنحه فلا يمنح، وأستعطيه فلا يعطي ولا ينفح، وإني لأهز القلم هزة الكمي

5

ساعة يخرج للنزال، ويبرز لقراع الأبطال، فإذا هو يتعايا في يدي ويتثاقل، وإذا هو يتراخى ويتزايل، وإذا بي أراه قد تفلل من غير حرب، وتثلم من غير طعن ولا ضرب!

ويلي عليك وويلي منك يا هذا القلم!

هذا ميزان النهار قد اعتدل، وهذا البريد يتهيأ للسفر، فإن لم أرسل على جناحه حديثي «للجهاد» فبأي وجه أطالع القراء من غدي؟ إذن فلأبعث بهذه الشكوى العاجلة، لعل في معشر القارئين من يعذر الكاتب إذا ونى أو قصر، ويرثي له إذا تعاصى عليه البيان وتعذر!

| في الجمال1

لا أعرض لتعريف الجمال، لأنني عاجز عن تعريفه، وما الحاجة إلى ذلك وهو حاضر في كل نفس، موصول بكل حس، يستشعره الإنسان، كما يستشعره الحيوان؟

والجمال يتجلى في الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات، وفي الماء، وفي كواكب السماء، وفي الجبل الأشم، وفي الصخر الأصم؛ بل إنه ليتجلى على متن الصحراء الموحشة، ما تبض

2

من الماء بقطرة، ولا تتفرج من النبات عن زهرة، فالجمال ماثل في كل خلق من خلق الله لو تفقده المتأملون!

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد

وإذا كان القدر قد جرى على أهل هذه الأرض بألوان المشاق والمتاعب، وأنواع الرزايا والمصائب، فقد سوى الله الجمال في كل شيء ويسره لكل طالب، وهيأه لكل حاسة؛ حتى إذا حزب

3

الناس الأمر تفرجوا

4

بالجمال، وإذا اعتراهم المكروه عاذوا به، فكان لهم خير العزاء، وكان لهم منه نعم الجزاء.

هذه الشمس تصحو بسحرة

5

من رقادها، وتتثاءب وتتمطى، وتأخذ زينتها لتطلع على الأرض، وهي لا تتبدى للأفق قبل أن ترسل من أشعتها رسلا خفاقا يكشفون لها وجه الطريق، حتى إذا رأوا أن جيوش الظلام تركب مناكبه، وتسد مسالكه، فتحيروا بينها ولم يجدوا لها مدفعا، استنجدوا فأنجدتهم من أشعتها برسل، ويقوم النزال، ويستحر القتال، وكلما قدم من ضوء النهار مدد انقبضت أجنحة الليل، وكلما أقبلت من جيوش الشمس نجدة، انحازت بين يديها جيوش الظلام، حتى إذا هي شمرت ذيلها وولت، وكسي أديم الأرض بذلك الضوء اللين الدقيق، بدا من الشمس حاجب لعلها تستوثق به من أمن الطريق، ثم جعلت تتثاقل في مطلعها وتتجنى، وتتهادى في مشرقها وتتأنى، والطيور تلاغيها بترجيعها وشدوها، والدواب تحييها بوثبها وعدوها، إلى أن تركب في فلكها، وتستوي على عرش ملكها، ولا تزال عامة نهارها تصدر توقيعاتها في حياة هذا العالم: فيا ضوء أنر للخلق سبلهم حتى يستطيعوا أن يسعوا في مناكب الأرض ويأكلوا من رزق الله، ويا أرض أنضجي بذرك ليزكو زرعه، ويبسق؛

المختار · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٧٩