تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

أو لو كان مما يبصر لكان أصفى من العسجد المذاب.

10

على أن صاحبك لم يلبثه حتى يأتي على غاية حديثه، فلقد قام إلى دميته فعرك هذه المرة أنفها، فجعلت عينها تدور في محجرها، ثم تركها فاستقرت، ولم يرعني إلا أن أسمع من جوفها عزيف عود، وصوت مزمار كأنما ينفخ فيه داود، وهما يتعطفان على نقر دف أحسبهم قد علقوا فيه صنوجا دقاقا،

11

ووالله قد حسن إيقاعه وحلا نبره، كأنما وكل إلى طويس

12

نقره، وسمعت معازف أخرى جعلت تتنغم وتترنم، حتى خلتها من جودة الإيقاع تتكلم، فشاع في الطرب، بقدر ما تداخلني من الدهش والعجب!

ثم ارتفع صوت لولا البيان لقلت: سجع كنار، أو شدو هزار، ولقد راح يشتد ثم يلين فيشف، ويحلق ثم يهبط ويسف، وآنا يطرد ويستوي، ثم إذا به ينثني ويلتوي، ويسترسل ثم يتعرج ويتعطف، ويتقدم ثم ينحاز ويتحرف، والكبد تتياسر معه وتتيامن، والقلب يتطاير ثم يتجمع ويتطامن، والنفس يرتفع كلما ارتفع، ويقع معه حيثما وقع!

وما برح العفريت في شدوه وتسجيعه، وترديده وترجيعه، حتى ذهب الطرب بي كل مذهب وغلب علي، ولم أقو على شق ثوبي فجعلت ألدم صدري، وليت شعري أفأمسى هذا العفريت يرد على المسامع، صنعة إسحاق وغناء ابن جامع؟

13

وما فرغ العفريت من غنائه، حتى أنشأ يقص علينا أحدث الأحداث في قواصي الأرض وأدانيها: صينها وهندها، وشينها وسندها، وعراقها وحجازها، ونجدها وأهوازها، ومصرها وسودانها، فقلت: لصاحبك: كيف للجني بهذا وهو قيد أسره، ورهن محبسه؟ فقال: إنما يوسوس له بهذه الأنباء إخوانه من المردة والشياطين، قلت: الأمر لا بد أن يكون هكذا!

سيداتي، سادتي

لقد تعاظمني أن أدع الرجل سادرا في ضلته، فقلت له: اسمع يا أخا العرب! والله لقد كذبك وهمك، وما صدقك صاحبي! فنظر إلي الرجل نظرة المأخوذ، وعلق نفسه وفغر فاه، ثم قال لي في لهفة ودهش: وكيف ذلك يا ابن أخي جعلت فداءك؟ قلت: إن الذي رأيت إنما هو من صنع مردة الإنس لا من صنع مردة الجن! ... ورحت أبين له حقيقة «الراديو» على قدر ما يتعلق منه بعلمي ويتسع له فهمه، وطفقت أضرب له ما حضرني من الأمثال، والرجل بين مصدق ومكذب، فلما أعياني أمره دعوت «بالراديو» وأظهرته على خلفه، ليرى بعينه ما في جوفه، فلما قطع اليقين عنده علائق الشك، زفر زفرة طويلة، ثم تمثل ببيت البحتري في وصف إيوان كسرى:

ليس يدرى أصنع إنس لجن

سكنوه، أم صنع جن لإنس

وليس هذا بأول بدوي بهرته أسباب الحضارة فأشاع فيها الظنون! فلقد قرأت مثل هذا عن أعرابي لعله انحدر إلى بغداد في عهد العباسيين، وأقول «لعله» لأن عهدي بهذه القصة عهد طويل.

سيداتي، سادتي

أفرأيتم أن المصادفة، المصادفة وحدها، هي التي هيأت لي الحديث إليكم الليلة؟

وبعد، فإذا كان العجب لم يأخذ فينا بعض ما أخذ في ذلك الأعرابي حين طلع علينا هذا «الراديو» أول مطلعه، فذلك لأننا نعيش في حضارة ممدودة الرواق، مبسوطة الآفاق، وقد جازت بنا ألوان من المخترعات لم تكن تخطر على القلب، فوق أن المجموعة قد أحرزت على الأقل أطرافا من علوم الحياة تسلس لها في هذا وأشباهه وجوه الفهم والتعليل، إلى أن الأخبار تتقدم عادة بخروج هذه المخترعات وشيوعها فيطامن ذلك من الانبهار بها، ولو لم نصب شيئا من هذا لكنا وذلكم الأعرابي في تصور «الراديو» بمنزلة سواء!

ولقد يكون أبناء هذا العصر قد دخلهم شيء من العجب أو الدهش يوم أضاءت لهم الكهرباء، ويوم تغنى لهم الحاكي (أعني الفونغراف)، ويوم حلقت فوق رءوسهم الطائرات، ويوم غناهم «الراديو» وخطبهم وحدثهم، ولكن الطفل الذين درجوا وهذه الأشياء قائمة، لم يلحقهم منها - إن لحقهم - إلا يسير من العجب، بل لقد يحسونها من إحدى البسائط في وسائط الحياة، وهكذا كلما زكا العلم وربا واطردت الحضارة ببني الإنسان!

المختار · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٧٦