تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من مزايا «الراديو»

سيداتي، سادتي

دعونا الآن من العجب والدهش في حديث «الراديو»، فلم يبق لهذا موضع الآن، وصدق المثل: إذا عرف السبب بطل العجب، حتى إذا لم يعرف للأمر سبب، فإن ذلكم الانفعال ليسكن وحده بالإلف وطول الاعتياد، ومن حق «الراديو» علي بعد ذلك، وهو وسيلتي إليكم الآن، أن أتحدث عن شيء من آثاره؛ ولكنني لن أتحدث إلا يسيرا.

كان للأصوات على العموم مدى تنتهي إليه، وهذا المدى يختلف بعدا وقربا باختلاف الأصوات من جهة، والأسماع من جهة أخرى، قوة وضعفا، كما يختلف باختلاف الجو ضوضاء وجلبة، أو هدأة وسكونا، وعلى أي حال فإن هذا المدى لم يكن يتجاوز الصدر في رقم المئات من الأميال، كما يكون من هزيم الرعود وعزيف المدافع مثلا، فلما كان البرق (أعني التلغراف) تهيأ له أن يحمل نقر الناقر إلى آلاف الأميال، فلما كانت المسرة (أعني التليفون) سافرت أحاديث الناس كذلك مبينة واضحة اللفظ، على أنه لا يتهيأ الاستماع إليها إلا لواحد أو لآحاد.

ويأذن الله باللاسلكي، وقوامه - كما تعلمون - إشاعة الأصوات في الأثير، ولمن شاء بهذه الأداة التي بين أيديكم الآن، استمع في حدود المسافة التي يبلغها جهد المصدر، وهو المحطة التي تتولى الإذاعة من جهة، وجهد الأداة التي تتلقاها من جهة أخرى.

بهذا أصبح أثر «الراديو» في باب الإذاعة أشبه ما يكون بأثر المطبعة، غير أن ذلك يتصل بالآذان، وهذا يتعلق بالأعيان، والجامع بينهما واحد على كل حال! فكلاهما يستخرج من الشيء المحدود ما لا يحصره عد، ولا يحيط به حد!

فمهما يفسح بين يدي الخطيب أو المغني، ومهما يؤت أحدهما من قوة الصوت وجهارته، فإنه ليس ببالغ من الأسماع إلا بضعة الآلاف على أوسع تقدير، أما «الراديو» فيستطيع أن يبلغ آذان الملايين في شعاب الأرض المختلفة دون مطاولة جهد ولا تجشم عناء!

سيداتي، سادتي

ليس «الراديو» أداة لهو فحسب؛ على أن شأنه في هذا الباب جليل، ومن الفضول أن أحدثكم عن شيء تستمتعون به وتطربون عليه أكثر لياليكم إذا لم يكن في لياليكم جميعا، ولكنني ألفتكم إلى شيء واحد: ذلك بأن هذا «الراديو» قد اعتمد ناحية من نواحي «الأرستقراطية»، وإن شئتم قلتم ناحية من نواحي الأثرة الإنسانية، فحطمها تحطيما، ولقد أدركت العصر الذي لم يكن يؤذن فيه لصغرى الطبقات، بل لبعض وسطاها في سماع المرحوم عبده الحامولي وأضرابه إلا بخوض المشقات واقتحام الأهوال، فلقد كان يقف بأبواب السرادقات في أعراس علية القوم غلاظ الجند في أيديهم غلاظ الهراوات،

14

فما يتهيأ لمستمع مسكين أن يدنو لينشر أذنه إلا مشق

15

بالعصا العشر والعشرين، وهو يصيح في ظاهر السرادق آه آه، ووالله ما أدري أيتأوه الرجل من لذة النغم، أم من حرقة الألم؟

والآن، وبفضل هذا «الراديو» تيسر لكل إنسان أن يسمع أعلام المغنيات وأقطاب المغنين في أقطار الأرض، وهو وادع في كسر بيته، فإذا أعوزه «الراديو» استمع في المقهى، وإلا فعلى ظهر الطوار متسع للجميع!

سيداتي، سادتي

قلت لكم إن «الراديو» ليس أداة لهو فحسب، والواقع أنه كذلك وسيلة نافذة أبلغ النفوذ لبث العلوم والفنون والآداب، ونشر ألوان الثقافات على العموم، وكل أولئك من شأنه أن يرفع من مستوى الجماهير، حتى ليزيل كثيرا من الفروق الثقافية بين الطبقات.

هذا إلى أنهم لو تجاوزوا به المدن إلى القرى لرفهوا الفلاحين المساكين وسلوا عنهم، وخففوا من آثار كدهم في يومهم الأطول، إلى ما يغذون به من ألوان التعليم والتثقيف، والإرشاد إلى كل ما هو نافع فيما يتصل بصحتهم وزروعهم، وتربية بنيهم، وتدبير أموالهم، وغير ذلك من أسبابهم، وموافاتهم بما يعنيهم من أنباء بلادهم وسائر بلاد العالم.

ولا تنسوا بعد ذلك أن «الراديو» سيكون من العوامل البعيدة الأثر في التقريب بين الثقافات العالمية، وتقارض بعض الفنون بين الأمم المختلفة من غير عسر ولا تجشم عناء.

المختار · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٧٧