هذه المصادفات، أو على الأصح هذا القدر، لقد ساقني يوما، وكان ذلك من نحو عامين، إلى زيارة صديق جمع الله له إلى النعمة والترف، حلية الظرف والذكاء، وما إن كدت أطالعه بالسلام ويتلقاني بالتحية، حتى قال لي: إني سأريك الساعة شيئا عجبا لعله لم يخطر لك على قلب أبدا! قلت: هات ما عندك، فتقدم إلى خادمه بأن يدعو الشيخ عدلان، وما لبثنا غير قليل حتى أقبل علينا شيخ من الأعراب أسمر اللون شديد السمرة، خفيف اللحم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، أملى علي شكله الستين، ثم علمت أنه قد أطل على الثمانين، وهو مع هذا مستوي القامة، حتى كأن قامته الرمح المثقف، فحيا بتحية الإسلام، فرددنا التحية بالتحية.
وأقبل علي صاحبي يعرف لي الرجل، قال: إنه من إحدى بوادي نجد، وهو يتنخس في الدواب،
2
على أنه لم تهيأ له رؤية الحضر من قبل، بل لقد كان يرسل على إبله وخيله إلى مصر وغير مصر ولده وبعض معشره، ثم بدا له أن يفد معهم هذا العام، ليشهد عيش الحضر قبل أن يدركه الأجل، ووافق مقدمه حاجتي إلى بعض الجياد، وسألته أن يقيم عندي ما أقام في مصر، لما رأيت من ظرفه، وخفة روحه، ولطف حديثه، وحسن بديهته.
ولقد بعثت «الراديو» ذات عشية في حضرته، فارتاع وشده، وذهب الرعب بلبه كل مذهب، ثم اطمأن صاحبي فترة قصيرة وقال: وعلى الشيخ عدلان أن يقص بقية الحديث، والتفت إلى الرجل وسأله أن يتكلم، فتعذر وتمنع، فعزم عليه إلا تكلم، فأكرم الضيف وأومأ إلي.
تنحنح الرجل، وسعل سعالا رفيقا، ثم أنشأ يتحدث في لهجة بدوية كثيرا ما كان يلتوي علي فيها اللفظ، فيسويه لي بعض من حضر.
سيداتي، سادتي
الآن أنقل إليكم حديث ذلكم الأعرابي بعد أن علقته وقيدته بقدر ما واتاني الجهد، فإن كنت قد عالجته بعض العلاج ففي شيء من الصياغة بتقويم ما لا يستقيم في آذاننا من لهجة أولئكم الأعراب، قال:
دعاني صاحبك ذات عشية إلى أن أصعد إليه، فلما استوينا في مجلسنا من إحدى الغرف، أومأ إلى ركنها، فحولت بصري فإذا دمية
3
من خشب بتر ساقاها فأقعدوها على منضدة،
4
لها أنف صغير، ولها أذنان دقيقتان، وقد توسط ما دون الجبين عين لها، وا عجباه، واحدة تمزقت حدقتها فتناثرت في بياضها تناثر أكارع النمل، على صفحة الرمل، ولها فم، يا حفيظ! قد استهلك نصف وجهها، سجوه بديباجة من حرير، وليتهم سدوا عليه مسامير من حديد! وما أحسب والله هذه الدمية إلا صنعت على صورة الجن لم تطبع على صورة الإنسان!
ثم قام صاحبك إليها فعرك أذنها، وسرعان ما احمرت حدقتها فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم! ثم سمعت لها حسيسا
5
ما لبث أن استحال زمزمة وهمهمة،
6
فخلت والله أن الأرض قد زلزلت علي، وأحسست قلبي يتمشى من الروع في صدري حتى يصك حنجرتي، فجمعت ثوبي للهرب، فجذب صاحبك فضل ردائي، ولو قد أطلقني ما أصبت المهرب، فلقد تخاذلت عني ساقاي، وأظلم ما بيني وبين وجه الطريق، وجعلت ألتمس آية الكرسي أستعصم بها من هذا الشيطان، فأذهبها الرعب عني، وكأني لم أحفظ منها في دهري الأطول كلمة واحدة! ولما رأى صاحبي ما بي قال لي: خفض عليك يا شيخ! قلت: وهذا العفريت! قال: لن ينالك منه مكروه إن شاء الله، فلقد قيدوا ساقه، وشدوا وثاقه، فما يجد له من إساره فكاكا، ولا يستطيع في محبسه حراكا، قلت: أفيسجن سليمان المردة في قماقم من نحاس أو من ذهب، وأنتم لا تبالون أن تسجنوها في جماجم من خشب؟ فانثنى عني إلى الدمية فعرك أذنها الثانية، فسرعان ما سكن هديرها، وبطل زئيرها، وإذا العفريت يتحدث في لين صوت واطمئنان نبرة كما يتحدث عرفاء القوم
7
إذا اجتمع لهم في الهينات القوم، وإذا هو ينطق بالحكمة بعد الحكمة، ويرسل العبرة في عقب العبرة، فأفرخ ذلك من روعي
8
حتى كادت ترتد إلي نفسي، ووالذي نفسي بيده لو كان حديث هذا العفريت مما يطعم لكان أحلى من الجلاب،