ولما رأيته قد أطال في هذا وأفرط، قلت: لن أسافر ألبتة، فإن كان لك من الحول والسلطان ما تستكرهني به على هذا السفر، فاصنع ما أنت صانع! وأمسكت بعد ذلك عن مراجعته، فلم يسكت، بل جعل يدخل بنا في تفاصيل السفر، ويقترح ألوان الثياب التي آخذ والتي أدع! والفندق الذي نتدلى فيه عند مهبطنا الإسكندرية! و... و... و، حتى أضجرني وأبرمني وطير لبي كل مطير، فقمت عن المجلس وأنا لا أكاد أرى ما بين يدي، غيظا وحنقا، ولم يفته أن يشيعني بالتعجل في إعداد العدة واتخاذ الأهبة لأن الوقت قد أزف! فعدت إلى بيتي وقد جعلت على نفسي ألا أغشى سامر القوم إلا بعد أن يسافر حسني «على الطائر الميمون»!
لم يرعني في ضحى اليوم الثاني إلا أن يسألني حسني في «التليفون» عما إذا كنت قد فرغت من إعداد العدة للرحلة الجوية «يا فتاح يا عليم»! وأسأله أن يكف عني فلا يكف، وأستحلفه أن يدعني فلا يعطف ولا يرق، وفي المساء عاود المسألة في «التليفون» أيضا، وجعلت أجادله جدال المغيظ المهتاج، فلا يكرثه ذلك ولا يلويه.
وهنا تكلم القدر فسكت المقدور، وتزايل الحذر فوقع المحذور.
تقفون والفلك المحرك دائر
وتقدرون فتضحك الأقدار
فلقد أطلق علي القدر من كنانة الغيب ما قصف عزمي قصفا، ونسف كل تصميمي نسفا، فلقد كان ولداي الأكبران بنجوة مني يستمعان هذا الحوار ولا أراهما، فما إن أطبقت فم «التليفون» حتى تقدما وهتفا معا:
إذا كنت يا أبتاه تخاف الطيارة فنحن نركبها بدلا منها! فقلت: لقد قتلتماني أيها الشقيان كما قتل خادم المتنبي مولاه، سامحكما الله وعفا عنكما، وطلبت الأستاذ حسني من فوري وسألته عن ساعة قيام الطائرة وغير هذا من بعض التفصيل، وسرعان ما دعا إلى «التليفون» صديقي المفضال الأستاذ لطفي محمود السكرتير العام لبنك مصر، وهذا أقبل علي بالهناء، فقد كان بين السفر الكرام، وتبين لي بعد أنه كان أبلغ المؤتمرين بي أثرا! وهكذا يكون رجال المال، صنع الله لهم!
كان ذلك عشية الأربعاء، والسفر مصبح الجمعة؛ فيا لها من ست وثلاثين ساعة في انتظار البلاء!
جعل الرعب يشيع في نفسي، والفزع يغمز على قلبي، وأتلفت بالخاطر في كل مطرح فلا يقع إلا على ويل، أما الرجاء في السلامة فقد سكن صياحه، وانطفأ مصباحه.
يا رباه! كل يوم وفي كل ساعة تحلق الطيارات حتى تكاد تحك قرن الشمس وتصك وجه القمر، فتغدو سالمة، وتعود غانمة، فلماذا لا يجري القدر إلا على طيارتي أنا؟! لم تسعدني كل هذه الأمثال ولو بمزقة من ظل الرجاء، وأخيرا تهديت إلى حل ظهر لي بادئ الرأي محكما بديعا، ذلك بأنه إذا كان ولا بد من سقطة، فأقصى جهدها ألف متر، فماذا علي لو أديتها مقدما، فأتسلف السلامة في تلك الرحلة «العزيزة»! وما علي إلا أن أثب من سريري إلى الأرض ألفا وخمسمائة مرة زيادة في الاحتياط، وبذلك نبرئ الذمة من الآن.
وفيما أنا أتهيأ لهذا تنبهت فجاءة إلى أن «بنك» الطيران لم يدخل بعد في أعماله نظام المعاملة بالتقسيط! فسقط في يدي، وتركت الوهم يسري بين حنايا الضلوع مسراه، وفوضت أمري كله إلى الله، فبيده البسط والقبض، وعن أمره الرفع والخفض؛ ولا بد مما ليس منه بد.
ويطول علي الانتظار من مساء الأربعاء إلى صبح الجمعة «والوقوع في البلاء خير من انتظاره» كما يقولون، وكان يسلي عني الفينة بعد الفينة «تليفونات» أتلقاها من أصحابي سائلين عن الخبر كأنه حدث في البلد حدث، وأجيبهم بالتأكيد، وهم بين مصدق وبين مكذب، وبين مشجع وبين مخذل، وتتطارح المفاكهات من هنا ومن هنا، وكلها حول أن عبد العزيز يطير!
على أنها الأيام قد صرن كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب
يوم الطيران
وأهب من نومي في بعض الساعة الخامسة من صباح يوم الجمعة، وجعلت ظلال الأحلام تتقلص رويدا رويدا، والذاكرة تنصقل رويدا رويدا، وجعلت الذكريات تتوارد تباعا، وإذا من بينها أنني بعد ثلاث ساعات أطير! ورحت أجس أطواء نفسي، وأتقرى مداخل حسي، فإذا أنا كل وادع وكل مطمئن، ومضيت أبحث عن الوهم فلا أجده، وأتحسس الفزع في منابته فلا أصيبه! فلو وفدا علي ولو ساعة! فقد ألفتهما وطال الإلف، وحالفتهما فاستوثق بيننا الحلف، وإني في هذا لحقيق بقول المتنبي: