تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الساقة فوالله ما أدري ما حظ أكثرهم الكثير في أن يطيروا بك على أديم الأرض طيرا، وإني لأسأل الرجل منهم أن يتريث فلا يسمع، وإذا فعل طوعا لرجائي أو لزجري فلثانية أو اثنتين، ثم عاد أجرى وأسرع مما كان، وإني لأقول له: يا سيدي لست مستعجلا أمرا، والله ما أنا ذاهب لإطفاء حريق، ولا لإنقاذ غريق، صدقني والله ما أنا ماض لقيادة الجيش في المعركة الحاسمة، ولا أنا مدعو لتأليف الوزارة، ولا لشراء «النمرة» الرابحة في سباق الدربي، كل هذا ولا حياة لمن تنادي!

ولقد قلت لسواق مرة، وقد عناني في هذا الباب أمره: أتعلم يا سيدي أنك بإسراعك هذا ستفقدني مائة جنيه كاملة! فقال لي: وكيف هذا؟ قلت: إني خاطرت صديقا على أن من يسبق منا إلى الموعد يدفع لصاحبه مائة! فأشفق على مالي، وليت الخنزير لم يفعل، فلقد أقبل علي وولى الطريق قفاه، وجعل يلقي علي محاضرات شائقة في مضار المراهنات!

وآخر، لقد أسرع بي وأنفي راغم إسراعا مرعبا، فسكت وأسلمت أمري لله، وبعد لأي، إذ افترقت مسالك السبل، التفت إلي وقال: أين البيت؟ قلت: أفجاد أنت في أنك ذاهب بي إلى البيت؟ قال: طبعا! قلت: والله يا أخي لحسبت أنك عدلت بي إلى قرافة المجاورين! •••

هذا حديثي مع السيارة، وهذه علاقتي بها، لعنة الله عليها، أما الطيارة، كان الله لراكبيها، فلم يلحقني ولن يلحقني منها بعون الله أي أذى، وكيف لها بذاك؟ ولو قد دعيت إلى ركوبها على أن تحلق بي إلى موطن إجابة الدعوة، أو تتقرى بي مسقط الغنم من ليلة القدر، فيكون لي ما شاء الله من العافية في النفس والولد، وطول العمر، وسعة الرزق، ونفوذ الكلمة، وبسطة السلطان؛ لآثرت ما أنا فيه من الجهد على كل تلك العافية!

إذن فأمر هذه الطيارة مفروغ منه عندي إلى غاية الزمان إن شاء الله، فإن بدا لولدي أو لحفدتي، إن كان يكون لي حفدة، فليفعلوا فلهم زمانهم!

ولكن هناك قدرا يرغمنا ولا نرغمه، ويلجمنا ولا نحكمه،

3

وإنه ليدعنا نصور ونفكر، وندبر ونقدر، وهو منا ضاحك وبنا مستهزئ! وإنا لنريد اليمين، فإذا هو يطرحنا إلى الشمال، وإنا لنطلب قدام، فإذا هو يركلنا

4

إلى وراء، وكيف لنا بالفرار؛ والهارب إنما يتقلب في يد الطالب؟!

صدقني يا سيدي إذا أكدت لك أن العلم كله ليضيق بشأني، وأن مركوني والمرحوم إديسون، والعالم أينشتين، وأضرابهم من فحول العلماء والمستكشفين، لأعجز جميعا عن أن يهتدوا إلى «نظرية» تطيير هذا الكاتب، ألا فليبذلوا الجهد فيما هو أجدى: من إحالة الحصى ذهبا، والهواء حطبا، ومن إطالة العمر إن استطاعوا، ومدافعة الموت إن أطاقوا، والاصطلاء بالثلج، والابتراد بالنار، والمشي على أديم الطيف ، واستخراج القر من وقدة الصيف

5

ليعالجوا ما طاب لهم من هذا، وليعدلوا عن ذاك، فقد جفت عنه الأقلام، وطويت من دونه الصحف!

ولقد حدثتك عن القدر، فانظر بعد هذا كيف يصنع القدر:

لي صديق من شياطين الإنس لا تعجزه وسيلة، ولا تعيى عليه حيلة، لا أدري أي رصفائه من شياطين الجن زين له أن يطيرني أنا! والعياذ بالله تعالى، سلام قولا من رب رحيم، وإليك الحديث:

من بضع ليال غشيت سامر الأصدقاء، وما إن كدت أستوي في مجلسي حتى ابتدرني صديقي الأديب الظريف الأستاذ حسني نجيب بهذا الكلام: يا فلان! نسافر معا في الطيارة إلى الإسكندرية! فلم يعد الأمر عندي أن يكون من إحدى مزحاته، على أنه كرر هذا وأعاده، وأعاده وكرره، حتى لم يبق فيه فضل لنكتة، فقلت له: ويلك! أجاد أنت؟ فقال: إي والله لا أقول إلا جدا، وستكون نزهة جميلة تظل تذكرها على الأيام، وجعل يبدئ ويعيد في هذا ودمي يغلي في عروقي، والغيظ يذهب بي كل مذهب، حتى كدت أخرج من جلدي، فقلت له: ما الذي أصابك؟ ويحك! أسافر في طيارة؟! لعمري لو أمكنتني من خزائن ركفلر ومن سلطان موسوليني ما فعلت! فقال في جد وتصميم: بل تسافر!

المختار · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٩