تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

ونهضت خفيفا، فأصلحت من شأني، ورزمت متاعي، ورأيت أنه ما زال بين يدي من فضل الوقت ما يتسع لرياضة الصباح، وهي تستهلك الساعة وبعض الساعة، وطلع علي حسني لموعده، فمضينا على اسم الله إلى المطار، وهو طول الطريق يزين لي هذه الرحلة ويبهجها لنفسي، وما به - شهد الله - إلا الخوف من أن يفلته صيده، فهو إنما يلقي الحب للطائر، ويتراءى بالحمل لليث الخادر!

ولما رأيته قد أسرف في هذا أقبلت عليه وقلت له: يا سيدي؛ دون هذا وينفق الحمار! خفض عليك، فإني طائر طائر! سواء أكانت الرحلة جميلة أم زفتا وقطرانا، وسواء وصلنا سالمين إلى الإسكندرية أم صرنا إلى الدار الآخرة، فالمسألة أصبحت مسألة كرامة، لا أضحك الله أولادي مني، ولا عبث بسيرتي أصحابي، فرأيته يعالج حقن الغيظ، ويجهد في هذا جهدا شديدا، لأنني توسمت فيه من أول ما دعاني لهذه الداهية أمرا، فبيننا ثأر قديم!

وأمسكنا كلانا عن الحديث حتى بلغنا المطار، وهناك استقبلنا الشاب الكفء الجليل القدر، والفاضل ابن الفاضل الأستاذ كمال علوي المدير العام لشركة مصر للطيران، ورفعونا أولا إلى الميزان، فخرجت والعصا في يدي بخمسة وخمسين كيلو، والحمد لله على القلة، فهي كثيرا ما تخفف من كلفة وتعصم من ذلة.

ثم مضوا بنا إلى الطيارة، وكانت أول طيارة رأيتها في حياتي من كثب، فصفوا الركب بجوارها، والتقط المدير بيده صورتهم الشمسية، ثم دعينا إلى الصعود، وأجلسوني وحسني أيضا في الصف الأول مما يلي مجلس السائق، وجلس في الصف الثاني الأستاذان لطفي محمود، وكمال علوي، ومن ورائهما ثلاثة من الإنجليز، وبقي في الطيارة مكان واحد خاليا.

وأطلق السائق التيار فدار المحرك برهة تزيد على الدقيقة، والطيارة ثابتة في موضعها، ثم بعثها فزحفت على الأرض زحفا رفيقا، ثم استحال جريا، وظلت تدور على اليبس، ولما طال ذلك منها قلت لصاحبي؛ لعلنا نبلغ الإسكندرية على هذه الحال برا؟ أفتراها إذن سيارة، أفرغوا عليها هيكل طيارة؟ فضحك صاحبي وقال: أي أرض؟ لأنت والله على جناح الريح، فالتفت وحققت النظر فإذا أنا حقا قد صرت بين الأرض والسماء من حيث لم أشعر!

ولقد كان يخيل إلي أن الطيارة ثابتة في موضعها من الجو، لولا أنني كلما تشرفت من النافذة رأيت البيوت تصغر وتدق، حتى إذا جزنا بحينا في حلمية الزيتون بانت لي المنازل في أحجام الرجام، ففسد علي كل ما أعددت لملاعبة أولادي، وقد واعدوني أن يطالعونا من سطح الدار.

ونسيت أن أقول لك إنني حينما دعيت إلى ظهور

6

الطيارة، تفقدت شيئا مهما جدا، وخاصة في هذه الرحلة فلم أجده، وكيف لي بإصابة ما لم يكن، ووجدان ما لم يخرج بعد إلى الوجود، ذلك بأنني تعودت إذا ركبت القطار أو السيارة أن أقرأ حزب البر، فإذا علوت السفين قرأت حزب البحر، فمن لي اليوم بحزب الهواء؟ لقد اشتد وجدي لهذا وكظ الهم صدري حتى كان يفرق أضلاعي!

يا قوم: لا أسألكم أن تصنعوا لنا سيارة تنهب الأرض نهبا، ولا طيارة تطوي الجو طيا، فلقد وفر الغرب عليكم هذا وكفاكم المئونة فيه، ولكنني أسألكم أن تؤلفوا لنا حزبا للهواء، نستعصم ببركته كلما عرجت

7

بنا الطيارة إلى السماء!

شعور

فإذا طلبت شعوري من ساعة استويت إلى مجلسي في الطيارة، فذلك مما يعيي تصويره على القلم: خطرة خوف ووهل

8

مرت كإيماضة البرق، أو كما قال البحتري: «خطرة البرق بدا ثم اضمحل»، وسرعان ما أحسست لونا من شرود في الذهن يسير لم يقطع ما بيني وبين ما حولي، فإني لأرى الأرض، وأفرق بين أخضرها ويابسها، مساكنها وخلائها، وأرى الترع في اختلاجها وتأودها،

9

فإذا أقبل علي أحد بالحديث تفهمت ما يقول، على أن ذلك كان يجشمني شيئا من حد

10

الذهن، ولقد أجيب عما أسأل عنه في غير تتعتع، إلا أنني كنت أوجز القول ولا أطيل، لأن ذهني لم يكن أكثره بملكي فإن شيئا قويا لينازعني نزاعا عليه!

المختار · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٧١